لطالما ظلّ بناء الهرم الأكبر في الجيزة لغزاً هندسياً محيّراً، في ظل غياب نصوص قديمة تشرح آليات رفع الكتل الحجرية العملاقة التي يزن بعضها عشرات الأطنان، وكيف أُنجز هذا الصرح خلال فترة لا تتجاوز عقدين.
وعلى مدى سنوات، سادت فرضيات تقليدية ترجّح استخدام منحدرات خارجية لرفع الأحجار طبقة بعد أخرى، غير أن هذه التصورات واجهت تساؤلات بشأن بطئها وعدم قدرتها على تفسير سرعة الإنجاز الهائلة.
دراسة حديثة طرحت تصوراً مختلفاً جذرياً، مفاده أن البناء جرى من الداخل إلى الخارج، عبر نظام ميكانيكي مخفي يعتمد على أثقال موازنة وآليات تشبه البكرات داخل جسم الهرم نفسه.
وأوضح الباحث سيمون أندرياس شورينغ أن هذا النظام الداخلي كان يتيح رفع الكتل ووضعها بوتيرة سريعة للغاية، تصل أحياناً إلى كتلة واحدة في الدقيقة، من دون الاعتماد على السحب المباشر بالقوة البشرية.
ويعتمد التصور على أثقال موازنة تنزلق داخل ممرات داخلية مائلة، لتوليد القوة اللازمة لرفع الأحجار إلى المستويات العليا. وتشير خصائص معمارية معروفة، مثل الرواق الكبير والممر الصاعد، إلى أنها ربما استُخدمت كمنحدرات داخلية لتشغيل هذا النظام.
كما أعادت الدراسة تفسير الغرفة الأمامية المصنوعة من الغرانيت، الواقعة قبل حجرة الملك، إذ رُجّح أنها لم تكن عنصراً أمنياً فقط، بل جزءاً من آلية رفع، حيث تدل الأخاديد والدعامات الحجرية على استخدام حبال وعوارض خشبية تعمل بطريقة تشبه البكرة.
ووفق إعادة البناء المقترحة، كان بالإمكان رفع كتل يصل وزنها إلى 60 طناً، مع إمكانية ضبط القوة حسب الحاجة، بطريقة تشبه تغيير التروس في الآلات الحديثة.
واستندت الدراسة إلى مؤشرات ميدانية، من بينها خدوش وتآكل على جدران الممرات الداخلية، توحي بمرور زلاجات ثقيلة، إضافة إلى أرضية غير مستوية وآثار عمود رأسي في الغرفة الأمامية، يُعتقد أنه أُغلق بعد انتهاء البناء.
كما أن بعض الانحرافات المعمارية، مثل عدم تمركز حجرة الملكة بدقة في قلب الهرم، تدعم فكرة أن التصميم خضع لاعتبارات ميكانيكية، لا لمعايير تناظر جمالي فقط.
وحتى السمات الخارجية، مثل التقعر الطفيف لواجهات الهرم وتدرج أحجام الحجارة، قد تعكس مسارات المنحدرات الداخلية ونقاط الرفع، مع تقليل وزن الأحجار في المستويات العليا.
ويقدّم هذا النموذج تنبؤات قابلة للاختبار، من بينها غياب حجرات كبيرة مخفية في قلب الهرم، وهو ما تنسجم معه نتائج المسوحات الحديثة باستخدام الأشعة الميونية، مع احتمال بقاء ممرات صغيرة أو بقايا منحدرات داخلية في الأجزاء العليا.
وإذا ما تأكدت هذه الفرضية، فإنها قد تعيد صياغة فهم علماء الآثار لآليات بناء الهرم الأكبر، وربما الأهرامات المصرية عموماً.
يُذكر أن الهرم الأكبر شُيّد كمقبرة للفرعون خوفو نحو عام 2560 قبل الميلاد، ويُعد أضخم أهرامات الجيزة وأحد أعظم إنجازات العمارة في تاريخ البشرية.
المحرر: حسين هادي