حين تتحوّل المجاملة إلى تنازل صامت، ويُستبدل تحرّي الحقيقة براحة المرور الآمن في النقاش:
في نقاشاتنا اليومية، وخصوصًا عند احتدام الخلاف في القضايا الحسّاسة، تتكرر عبارة:
«رأي كل إنسان محترم».
تُقال غالبًا بنيّة طيّبة، ويُراد بها التهدئة وإغلاق باب التوتّر، غير أنّها تخفي سؤالًا جوهريًا لا يصحّ القفز عنه:
هل كلّ رأي، مهما كان ضعيفًا أو ضارًا، يستحق فعلًا أن يُمنح صفة الاحترام؟!
الجواب الذي تفرضه الأمانة مع النفس: لا.
فالاحترام قيمة أخلاقية رفيعة، لكنّه ليس تفويضًا مطلقًا لتسويغ كلّ فكرة أو تمرير كل قول ورأي.
احترام الشخص ونقد الفكرة:
الإنسان يُحترم في نفسه لكونه إنسانًا، ما لم يصدر منه ما يوجب خلاف ذلك، وهذا أصل أخلاقي لا خلاف فيه.
أمّا الأفكار، فهي مجال للتمحيص والنقد والمراجعة.
فالرأي ربّما يكون وليد الجهل، وقد ينشأ من التعصّب الأعمى، وقد يُستعمل أحيانًا لتبرير ظلم أو تمرير باطل.
وحين نُطلق عليه وصف «المحترم» من غير تمييز، نكون قد منحناه شرعيّة لا يستحقّها، وأسأنا إلى الحقيقة باسم اللطف، وإلى الضمير باسم المجاملة!
في الواقع، عندما يُطرح رأي خاطئ، يظهر ذلك في الغالب أحد سلوكين:
إمّا صمتٌ مجامل يريح اللحظة، لكنّه يُضعف الموقف الفكري والعلمي على المدى البعيد.
أو ردٌّ قاسٍ يواجه الخطأ بكلمات تجرح صاحبه.
وبين هذَين الطرفَين تضيع إمكانيّة نقد الفكرة بوضوح وموضوعية.
مقولة تبتلع المعايير:
القول باحترام كلّ الآراء على إطلاقه، يفتح الباب لنوع من النسبية التي تُذيب الفوارق بين الصواب والخطأ. ومع مرور الوقت، سوف تضيّع هذه الرؤية المعايير التي يُقاس بها الرأي؛ فيضعف النقاش الجادّ، ويصبح كل شيء قابلًا للتمرير ما دام مرفوعًا بشعار «هذا رأيي».
وفي مثل هذا المناخ، لا ينتصر الدليل بقدر ما ينتصر الصوت الأعلى، أو الخطاب الأكثر تأثيرًا في العواطف!
المخرج العملي: صراحة مهذّبة
ليس المطلوب كبت الاعتراض، ولا إطلاق الأذى في النقاش، بل الجمع بين الوضوح والأدب.
أن يُقال مثلًا: «هذا الرأي لا أراه منسجمًا مع المعطيات والأدلّة، وهذه أسباب موقفي»،
بدلًا من تحويل الخلاف الفكري إلى خصومة شخصية بألفاظ غير لائقة.
بهذا الأسلوب لا تُهدر كرامة أحد، ولا يُترك الخطأ بلا مساءلة.
ومن الناحية النفسية، فإنّ من يتدرّب على النقد الهادئ والموضوعي، يحافظ على ثقته بنفسه، ويتحرّر من الخوف من التعبير عن قناعاته، من غير أن يتحوّل إلى خصم أو مُهاجم.
الاحترام الذي يخدم الإنسان فعلًا:
الاحترام الحقيقي لا يعني ترك الآخر في وهمه وجهله بدافع اللطف، بل التعامل معه بوصفه قادرًا على الفهم والمراجعة.
فالسكوت عن الخطأ ليس دائمًا لطفًا، وقد يكون في بعض الأحيان حرمانًا للآخر من فرصة التقدّم خطوة نحو الحقيقة.
وهنا، عند هذا الحدّ الدقيق الفاصل بين احترام الإنسان ونقد أفكاره، تتجلّى أهمّية أخلاقيات الحوار الدينيّة، ويظهر مقدار صدقنا مع أنفسنا، وجدّيتنا في البحث عن الحقّ والذبّ عن الحقائق الثابتة.