حسن الهاشمي
من المعلوم ان المجتمع يتكون من الأفراد والأسر والجماعات والقبائل، فاذا صلح الفرد صلح المجتمع والعكس صحيح تماما، وأهم عنصر في صلاح الفرد والأسر، المرأة الصالحة فإنها بأخلاقها وتديّنها وصبرها وتجلّدها تضمن للأسرة بأكملها العيش الكريم ضمن أطر القيم والمقدسات التي يتقوّم الفرد باقتفائها ويتسافل بالتخلي عنها، فالإسلام عندما أوصى بالأخذ من القرآن الكريم والعترة الطاهرة وهما سبيلا النجاة دون غيرهما من السبل المتعددة والمتنوعة، فإنما يوصي بالاعتصام بالعروة الوثقى التي توصل بر الدنيا بنجاة الآخرة.
الثقلان هما النبعان الصافيان اللذان يضخان الفرد بالتقوى والايمان ويرغباه بالزوجة الصالحة، والابناء البررة، والمعيشة الرغيدة قرب الأهل والأحبة، وحسن الخلق الذي يداري به الأهل والناس اجمعين، تلك الصفات والكمالات وغيرها نراها مبثوثة في كتاب الله وما نقل عن أهل البيت عليهم السلام من آثار وروايات وأخبار، ما أخذ بها أحد إلا فاز وعلا شأنه في الدارين، وهذا ربيعة بن كعب يحدثنا قائلا: سمعت النبي صلى الله عليه وآله يقول: (من أعطي خمسا لم يكن له عذر في ترك عمل الآخرة: زوجة صالحة تعينه على أمر دنياه وآخرته، وبنون أبرار، ومعيشة في بلده، وحسن خلق يداري به الناس، وحب أهل بيتي) الدعوات لقطب الدين الراوندي ص40.
من رزقه الله هذه النعم الخمس، فقد توفرت له أغلب أسباب الاستقرار الديني والدنيوي، ولم يبق له عذر يبرر تقصيره في العمل للآخرة، بل ان حب أهل البيت الحقيقي هو الذي يحصّن المرأة والرجل من الانزلاق في متاهات الظلم والجور والرذيلة، الزوجة الصالحة هي التي تربي أولادها على القيم والأخلاق والفضائل مما ينعكس إيجابا على استقرار الأسرة وتكوين المجتمع الآمن والمستقر والصالح، والبنون الأبرار الذين جسدهم منهم في عناء والآخرين منهم في راحة، لا يصدر منهم الا الخير والصلاح والفلاح، والمعيشة في كرامة في بلده وهي التي توفر لقمة الحلال اليه والى سائر أفراد عائلته، هي التي تحصّن الفرد والمجتمع من الانزلاقات الفكرية والسلوكيات الهجينة التي طالما تلازم لقمة الحرام والابتعاد عن القيم والأخلاق والفضائل، وحسن الخلق وما أدراك ما حسن الخلق فانه يُعدّ من أعظم القيم الأخلاقية في الإسلام، وله أثر بالغ في تقويم الأفراد وبناء المجتمع المتماسك والمتراحم، وفيما يلي أبرز آثاره في تقويم المجتمع:
1ـ نشر المحبة والتسامح: حسن الخلق يُشيع أجواء الود والاحترام بين الناس، ويقلل من النزاعات والعداوات.
2ـ تقوية العلاقات الاجتماعية: يعزز الثقة بين الأفراد، ويساعد على بناء علاقات قائمة على الاحترام والتقدير.
3ـ تسامي السلوك العام: ينعكس على سلوك الناس في تعاملهم، فيُصبح الصدق، والرفق، والعدل، والأمانة من سمات المجتمع.
4ـ جذب غير المسلمين للإسلام: كان حُسن خُلق النبي محمد صلى الله عليه وآله من أعظم وسائل الدعوة، وقد دخل كثير في الإسلام بسببه.
5ـ بناء مجتمع متماسك: يحمي المجتمع من التفسخ والانحلال، إذ يُربّي الأفراد على ضبط النفس واحترام الحقوق.
6ـ تقليل الجرائم والمشاكل: الأخلاق تمنع الظلم، والعدوان، والغيبة، والنميمة، وتُقلل من انتشار السلوكيات السلبية.
قال الإمام الصادق (ع): (عليه السلام): (الخلق الحسن يميث ـ يذهب ـ الخطيئة كما تميث الشمس الجليد) الكافي للكليني: 2 / 100 / 7، 9. إذا، تقويم المجتمع يبدأ بتقويم سلوك أفراده، وحُسن الخلق هو الأساس لذلك، وظاهرة التحرش الجماعي بالنساء في بعض المجتمعات العربية ولا سيما في العراق كما رأيناها في أعياد رأس السنة 2026 م لا يخرج من هذا الإطار فإنها تُعدّ من السلوكيات الاجتماعية الخطيرة التي تعكس خللا أخلاقيا وثقافيا، وتستدعي معالجة جذرية وشاملة، ولعل من أبرز أسبابها:
1ـ الفراغ التربوي والقيمي: ضعف التربية الدينية والأخلاقية في الأسرة والمدرسة.
2ـ غياب الردع القانوني: عدم تفعيل القوانين أو التهاون في معاقبة المتحرشين.
3ـ الثقافة الذكورية: النظر إلى المرأة كجسد أو كائن تابع، لا كإنسان مستقل.
4ـ الازدحامات وضعف الرقابة الأمنية في الفعاليات والمناسبات العامة.
5ـ الإعلام غير المنضبط: بعض الأعمال الفنية والمحتوى الإعلامي الهابط الذي يكرّس ثقافة الانحلال، أو يُشجع الضحك على هذه الأفعال.
ما حدث ليلة دخول سنة 2026م ليس احتفالا ولا فوضى، بل انهيار أخلاقي كامل واعتداء جماعي موثق بالصوت والصورة، الجريمة واضحة، والمجرمون واضحون، والعار لا يقع على الضحية بل على المعتدين، وعلى كل من كان حاضرا واختار الصمت، وعلى كل من يحاول اليوم تبرير ما حصل.
صحيح ان العائلة ينبغي ان لا توافق على خروج بناتها في هكذا أجواء صاخبة، ولكن من يلوم الضحية أو أهلها فحسب لا يدافع عن القيم، بل يشارك في الجريمة معنويا ويمنح المعتدي غطاءً اجتماعيا.
ما يُسمى بالغيرة أو الشرف سقطت هنا من الحاضرين والعابثين بشرف المرأة، وفقدت أي معنى عندما تتحول إلى أداة للقمع، ويختفي تماما عند أول اختبار حقيقي، حماية إنسانة يعتدى عليها أمام الناس، هذا المشهد ليس استثناءً، بل نتيجة مباشرة لثقافة تبرر، تسكت، ثم تتفاجأ.
بدون محاسبة قانونية حقيقية، ورفض مجتمعي صريح للوم الضحية، ستتكرر الجريمة… والمسؤولية مشتركة والآثار المترتبة على هذا التصرف المشين هي شعور المرأة بعدم الأمان، وعزوف النساء عن الفضاء العام، وتفكك الثقة بالمجتمع والقانون، وتطبيع سلوك مَرَضي وتوسّعه ان لم نضع حدا لهذه التصرفات المشينة.
مقام المرأة في الإسلام رفيع وعظيم، وقد كرّمها الله في كتابه، وجعل لها حقوقا وواجبات، وجعلها شريكة في بناء المجتمع إلى جانب الرجل، دون تمييز في الكرامة أو الثواب أو المسؤولية، ومن مظاهر تكريم المرأة في الإسلام:
1ـ المساواة في الإنسانية والكرامة: قال تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ) الإسراء: 70. والمرأة مشمولة بهذا التكريم.
2ـ المساواة في التكليف والثواب والعقاب: قال تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً) النحل: 97.
3ـ الحقوق الأسرية: جعل لها الإسلام حق النفقة والسكن والمعاملة الحسنة، وأوصى بها النبي الأكرم في خطبة الوداع: (استوصوا بالنساء خيرا، فإنهن عوان عندكم) مستدرك الوسائل - الميرزا النوري - ج ١٤ - ص ٢٥٣. فـ "عوان" تُستخدم غالباً في وصف الإناث، للدلالة على التوسط في السن أو الحال.
4ـ العلم والتعلم: شجّع الإسلام المرأة على طلب العلم، وكانت النساء يحضرن دروس النبي الأكرم، وعلى مر التاريخ نجد نماذج مشرقة من النساء القدوة: مريم (ع) كانت نموذج للطهارة والعبادة، وخديجة (ع) كانت مثالا في دعم الرسالة بالمال والثبات، والزهراء (ع) كانت رمز الكمال والعفة والبلاغة، وابنتها السيدة زينب (ع) كانت عالمة وخطيبة مفوّهة، وكانت بحق مدرسة في الصبر والصمود والثبات.
المرأة في الإسلام ليست تابعا ولا سلعة، بل هي شريكة في التكليف والكرامة، لها عقل وفكر ودور محوري في التربية والنهضة، ومن ينتقص من مكانتها كائنا من كان، فهو إما جاهل بحقيقة الدين أو يحرّفه عن مقاصده لمآرب في نفسه ما أنزل الله بها من سلطان.
والمعالجة لهذه التصرفات البربرية التي لا تمت الى الإسلام بل الإنسانية اية صلة تقوم على أساس:
- تربية قائمة على احترام الآخر.
- تشريع صارم وتنفيذه بلا استثناء، بإنزال اقسى أنواع العقوبات بالمتحرشين ليكونوا عبرة لكل من تسوّل له نفسه تكرار هذه الممارسات المشينة.
- حملات توعية شاملة يشارك فيها علماء الدين والإعلام والمثقفون، قائم على الترويج للحشمة وعدم التعرّض للمتبرجات بل اسداء النصح لهن، والتذكير ان من طرق باب الناس طرقت بابه.
- تمكين النساء من الدفاع عن أنفسهن قانونيا ونفسيا.
قال الإمام علي (ع): (الناس صنفان: إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق) نهج البلاغة، الرسالة رقم (53). فالمرأة كالرجل، كرامتها محفوظة، وحرمتها مصانة، وأي انتقاص منها هو انتقاص من إنسانية المجتمع كله.