قناة دجلة تغني في عاشوراء.. شريك الوطن لا يحترم مشاعر الملايين!
السبت / 05 / أيلول - 2020
الشيخ مقداد الربيعي

يعرفون الثقافة بأنها نمط حياة لمجتمع معين في زمان ومكان معينين، او بتعريف تايلور، الثقافة هي المجموع المركب لجملة من العناصر المنسجمة، كالدين والفن والزي ونحوها. وقد ذكروا ان من اهم خصائصها الإلزام، ويقصدون به إلزام الأفراد باتباع نمط الحياة الثقافي الذي اختاره المجتمع، وعلى هذا الأساس يوصف العمل المخالف لثقافة المجتمع بالخاطئ والقبيح، ومن اهم العناصر الثقافية لأي مجتمع الدين، وكل ما يرتبط به من مناسبات وأشخاص، وعلى هذا الأساس شرعت الحكومات حتى الغربية منها، والتي تلتزم بفصل الدين عن الدولة قوانين تجرم كل من ينتهك حرمة المناسبات الدينية، ففي المانيا مثلاً يُعد إقامة الاحتفالات والرقص في يوم (جمعة الآلام) ـ التي يعتبرها المسيحيون يوم صلب النبي عيسى عليه السلام ـ جريمة يعاقب عليه القانون، بغرامة تصل الى عشرة آلاف يورو ويحضر القانون استماع الموسيقى بالأماكن العامة والحانات، بل يحضر حتى تشغيل الموسيقى في المطاعم في ولاية شمال الراين ـ فيستفاليا، ورغم كل محاولات الأحزاب اليسارية إلغاء هذا القانون إلا انهم فشلوا في ذلك ؛كون القانون يحظى برضا غالبية المجتمع الألماني، بحسب استفتاء مؤسسة يوغوف عام 2017.

كذلك نجد الحال في سويسرا ـ ما عدا مقاطعة لوسيرن ـ التي تمنع الرقص وتعده جريمة يعاقب عليها القانون في عدة مناسبات دينية منها الجمعة العظيمة (جمعة الآلام)، وأحد الفصح، وأحد العنصرة، ويوم الصوم الفدرالي وعيد الميلاد وأربعاء الرماد.

بل الأمر سارٍ في أغلب الدول المسيحية كما يوضح موقع ويكيبيديا الشهير ذلك: إن هناك سلسلة عادات اجتماعية تختلف بين البلدان في إحياء الجمعة العظيمة، في سوريا ولبنان ترتدي النساء ثياب سوداء علامة الحداد في حين تبثّ مكبرات الصوت ترانيم المناسبة مثل "اليوم علّق على خشبة" و"أنا الأمّ الحزينة"، في الفيليبين تغلق أغلب المحال التجارية وتتوقف المبادلات التجارية والحفلات في هذا اليوم، في حين يقوم البعض من الشبّان كما في دول أمريكا الجنوبية والدول الكاثوليكية تمثيلاً حيًا لدرب الآلام[1]، في إسبانيا تُقام مسيرات الجمعة العظيمة في كافة أنحاء المملكة وأبرزها المسيرة التي تقام في مدينة إشبيلية. أما في القدس يتم الاحتفال بدرب الصليب بحسب مواقعه التقليدية في المدينة القديمة بدءًا من قلعة أنطونيا وحتى كنيسة القيامة[2]. وتعرض برامج تلفازية حول حياة والآلام يسوع في كافة دول العالم المسيحي فضلًا عن ترانيم تتعلق بالمناسبة. في الدول ذات الثقافة البروتستانتية يؤكل كعك خاص في المناسبة فضلًا يتم إغلاق المحال التجاريّة خاصًة محال بيع الكحول ويتم إيقاف كافة البرامج الكوميديَّة في الإذاعة والتلفاز.

وكجزء ملحق من الصوم الكبير و"الأزمنة المحرمة" فلا يحلّ للمسيحين الزواج أو العماد خلال يوم الجمعة العظيمة كما لا تجوز المظاهر الاحتفالية[3].

وتعد هذه القوانين امتداد للسيرة المتعارفة في اغلب المجتمعات المسيحية، فمنذ أوائل العصور المسيحية كان أسبوع الالام يخصص لأحياء ذكرى آلام المسيح من خلال التأملات والصلاة والصوم والتكفير عن الذنوب.

وبعد الاضطهادات الكبيرة أصدر الأباطرة المسيحيون من الإمبراطورية المسيحية الشرقية والغربية مراسم مختلفة تمنع خلال هذا الأسبوع كل الألعاب الترفيهية الى جانب سائر الأعمال كالتجارة وفتح المحاكم ونحوها.

وكان يجب على المؤمن أن يمضي هذه الأيام المقدسة بعيداً عن الانشغالات اليومية، مكرساً كل وقته للطقوس الدينية.

وقد اعتاد الملوك والأباطرة في هذا الأسبوع من كل عام إصدار عفواً لأغلبية المسجونين، كما كانت القضايا تسحب من قبل المدعين من المحاكم تكريماً لآلام المسيح. 

تبعاً لهذه العادة كان الملوك والحكام يوقفون أعمالهم لتمضية أسبوع الآلام في الصلاة منعزلين في أحد الأديرة، كما يضع المزارعون محاريثهم جانباً، ويتخلى الحرفيون عن أدواتهم، وتقفل المكاتب الحكومية ولا تعقد المحاكمات، كما كان يحضر استماع الموسيقى والرقص والغناء وكل النشاطات الرياضية.

وفي العصور الوسطى كانت أيام الخميس والجمعة والسبت أيام عطلة إلزامية، يتفرغ فيه المسيحيون لحضور كافة المراسيم المعهودة، الى ان ألغى البابا أوربان هذا القرار عام 1642، فصار من الجائز مباشرة الأعمال في هذه الأيام، مع الاحتفاظ بالصفة المقدسة لها، وضرورة احترامها، وقد تأكد هذا الأمر في النظام الليتورجي الجديد لأسبوع الآلام عام 1955.

ومن المعروف ان جميع الكنائس والكاتدرائيات والأبرشيات حول العالم تتشح بالسواد طيلة فترة أسبوع الآلام، وتقدم ان اعلام تلك الدول يمتنع عن بث مواده الترفيهية، ويركز على موضوعات لها علاقة بالمناسبة.

فكل هذا يدل بوضوح احترام تلك الحكومات لهوياتها الثقافية، وعدم الخروج على نمط الحياة الذي اختارها المجتمع، لكن ما نجده عندنا ـ للأسف ـ ان بعض من تجري دمائنا في عروقه، وآثرناه بالغالي والنفيس على خصاصة منّا، لا يحترم ذلك لاختلافه معك في الفكر او العقيدة.

أنا لا أريد أن أحمل موضوع بث الأغاني في يوم عاشوراء من قناة دجلة بُعداً طائفياً، ولا نريد من قناة دجلة أن تحزن مع الشيعة، فهذا توفيق لا يناله كل أحد، وإنما كنّا ننتظر من شريك الوطن ان يراعي مشاعر الملايين من أتباع أهل البيت في أهم مناسبة تثير أحزانهم، إمتثالاً لأمر الله تبارك وتعالى بالمودة بالقربى، وقول إمامهم أمير المؤمنين عليه السلام: اِخْتارَ لَنا شيعَةً يَنْصُرُونَنا وَ يَفْرَحُونَ بِفَرَحِنا وَيَحْزَنُونَ لِحُزْنِنا[4].

نحن هنا لا  نتحدث عن نصوص قانونية تجرم او تبرئ هذا الفعل، فالأمر متروك لأهله، وإنما نتحدث عن الاحترام المتبادل بين طوائف الشعب الواحد، والمجاملة العرفية التي يراعيها أحدنا مع جاره إذا نالته نائبة، على الرغم من ان القانون العراقي للعقوبات لم يهمل مثل هذه القضايا ـ بحسب مختصين ـ فقد كتب الخبير القانوني طارق حرب في صحيفة الزمان بتاريخ 15 تموز 2015، تحت عنوان (نصوص تعاقب على الإساءة للأديان): إن المادة 372 من هذا القانون تعاقب بالحبس مدة لا تزيد على ثلاث سنوات على الاعتداء الواقع على معتقد لإحدى الطوائف الدينية او تحطيم شعائرها او تعمد التشويش على اقامة شعائر طائفة دينية او على حفل او اجتماع ديني او تعمد منع او تعطيل اقامة تلك الشعائر او الاحتفال او الاجتماع .... او اهان رمزا او شخصا موضع تقديس او تمجيد او احترام لدى طائفة دينية او قلد علنا مسلكا او فعلا دينيا بقصد السخرية منه ،كما ان المادة 159 من هذا القانون تعاقب بالسجن المؤبد كل من استهدف اثارة اقتتال طائفي والمادة 198 تقرر عقوبة السجن عشر سنوات على كل من حرض عل جريمة الفتنة الطائفية والاقتتال الطائفي حتى ولو لم يترتب على تحريضه اصول الفتنة الطائفية فعلا فالقانون يعاقب على مجرد التحريض وان لم يترتب اثر على هذا التحريض وكذلك نفس العقوبة على من شجع على ارتكاب جريمة الاقتتال الطائفي حتى وان كانت ليس لديه نية الاشتراك في الاقتتال الطائفي بالإضافة الى ان المادة 204 من هذا القانون تعاقب بالسجن مدة لا تقل عن عشر سنوات لمن اهان فئة من سكان العراق سواء كانت هذه الفئة قومية او دينية او مذهبية او غير ذلك والمادة 214 تعاقب من جهر بالصياح والغناء لاثارة اي فتنة بما فيها الفتنة الطائفية.

أرجو أن لا يندرج ما قامت به قناة دجلة تحت طائلة هذه القوانين، كما ارجو ان تحسن إدارة الأزمة التي نتج منها هذا التشنج الطائفي، وتسلك طريق الاعتذار، فإنه من شيم الشجعان، والخطأ وارد، وعدم الاتكاء على تخوين المعترضين، وتعليق جريمتها على شماعة الاستهداف السياسي.



[1] بأن يقوم جماعة بتمثيل ما جرى على المسيح ـ بحسب اعتقادهم ـ نضير مايقوم به الشيعة بما يعرف بـ(التشابيه).

[2] العالم يحتفل بالجمعة العظيمة، اليوم السابع، 16 أبريل 2012نسخة محفوظة 15 أبريل 2014 على موقع واي باك مشين.

[4] غرر الحكم: 61.