القوى العراقية.. الإجابة غير كافية
الأربعاء / 22 / أيار - 2019
427

مشرق عباس 

بيانات معظم الفصائل المسلحة والقوى السياسية حول حادث الاعتداء الصاروخي الأخير على السفارة الأميركية في بغداد، عكست نوعاً من الواقعية السياسية غير المسبوقة في التعامل مع الأزمة التي تهدد بإشعال منطقة الشرق الأوسط برمتها. لكن تلك البيانات، التي ربما جاءت تحت ضغط بعض العقلاء ووساطتهم، لن تكون كافية إلا إذا اقترنت بموقف صريح، يسلم مفاتيح إدارة الأزمة الحالية بالكامل إلى الدولة وممثليها الرسميين.

نقول ذلك، لأن المشهد السياسي العراقي الملتبس، لن يحتمل مزايدات وإعلانات مجانية عن الانغماس في حب الجار على طريقة "الاستعداد للدفاع عن إيران حتى آخر قطرة دم عراقية!"... لم يعد أبداً يحتمل ذلك، وإذا كان بعض قادة الفصائل المسلحة الرئيسيين، الذين دخلوا المجال السياسي وفهموا تفاصيل ومخاطر واعتبارات وتبعات أي سلوك غير منضبط، يحاولون اليوم الانسجام نسبياً مع خطاب الدولة الرسمي، فإن هناك عشرات الفصائل ومئات القيادات التي يتوق بعضها إلى طرح نفسه كبديل محتمل، وصديق أقرب، ولن يتردد في أي خطوة قد يترتب عليها ما يترتب من خسائر في حق العراق وسكانه.

وبعيداً من نحت الجُمل، فإن المطلوب في هذه اللحظة من القوى السياسية العراقية مجتمعة ومن دون استثناء، أن تسلم الممثليات الديبلوماسية والسياسية والأمنية الرسمية في العراق، وبشكل معلن، وعبر إجراءات واضحة، كل ما يتعلق بملف إدارة العلاقات مع الولايات المتحدة من جهة، ومع إيران من جهة أخرى، ومع دول الجوار الإقليمي من جهة ثالثة، بما في ذلك التعهد بعدم التدخل الكامل في الأزمة، ليس على صعيد الامتناع عن التسبب لإيران ذاتها بحرب لا تريدها على طريقة رسائل الصواريخ الأخيرة فقط، بل عدم الإسهام في هذه الحرب مهما كانت أسبابها ونتائجها.

يمكن القول إن اجتماعاً غير معلن رعاه رئيس الجمهورية العراقي برهم صالح أخيراً مع عدد من قيادات القوى السياسية الشيعية الرئيسة، بالإضافة إلى الرئاسات الثلاث، دار حول هذه القضية، وأن المقترح الأساس الذي تم ترداده من النجف إلى بغداد، كان يتعلق بتجنيب العراق الآثار الكارثية لأي مواجهة أميركية - إيرانية متوقعة، سواء عبر منع تورطه (العراق) في كسر العقوبات الاقتصادية، ما قد يعرض اقتصاده الهش لعقوبات أميركية بات التهديد بها معلناً، أم بتجنيب البلاد وقائع الحرب نفسها. لكن هذا التفهم المشترك للأطراف السياسية المختلفة، لن يكون مجدياً إذا لم يرتبط بإجراءات تسمح بقيادة ممثلي الدولة للأزمة من دون العودة إلى "تصحيحات" تلك الفصائل، وأيضاً من دون توقّع صواريخ جديدة تقاطع عملهم!

وبالطبع، يدرك أصدقاء إيران في العراق قبل أعدائها أن سنوات من الفشل السياسي، والفساد المالي، والتدخل الخارجي في الشؤون العراقية، وتقسيم قرار الدولة وفق الأهواء السياسية، قادت إلى نزعة شعبية غاضبة ومنفعلة تجاه كل الوسط السياسي العراقي، بل تجاه الجيران وتجاه دول العالم، وأن أحداً في الناصرية جنوباً أو الموصل شمالاً، لا يعنيه في هذه المرحلة إلا أن تنشغل الحكومة بتوفير التزاماتها وتطبيق برنامجها الانتخابي، الذي لم تشرع حتى بفتحه بديلاً من الانشغال بإقناع فصائل مسلحة بعدم جر العراق إلى عقوبات اقتصادية أو حرب! وأيضاً أن يعكف البرلمانيون على إصدار القوانين وتفعيل إجراءات الرقابة، بديلاً من إطلاق تصريحات استعراضية عن علاقات العراق الخارجية، بهدف كسب ود هذه الدولة وتلك. والأجدى أن تقرر القوى السياسية الممسكة بالقرار اليوم، أن مرحلة توزيع الأدوار وتبادل كرة التصعيد و"الهوسات" انتهت، وأن الوقت يحتاج الى عمل سياسي محترف لا يتدخل به الهواة.

الأزمة لم تبدأ بعد فعلاً، فيما تتلاطم الأوساط السياسية والأروقة الحزبية العراقية بمواقف متضاربة وتقديرات شخصية غير مستندة إلى معطيات الخبراء وتحليلاتهم. وهذا أداء غير كاف، وإجابة غير موفقة على التساؤل المستمر عن طبيعة التعاطي العراقي مع المخاطر المحيطة.

والحقيقة، أن المرحلة بحاجة الآن الى رؤية عميقة، تحدد خريطة لكل خطوات الدولة العراقية خلال تطورات الأزمة المختلفة، وإلى الاستعانة بغرف تفكير وتحليل واستقراء لحدود الأزمة ونتائجها، واستفتاء لتوجهات الشعب العراقي، وليس إلى قيادات حزبية موهومة بـ "كلية القدرة".


الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لموقع كلمة الإخباري.