التيار الصدري يخترع الدولاب!
الثلاثاء / 21 / أيار - 2019
1279

رستم محمود

يسعى التيار الصدري، بعناد مُنقطع النظير، لأن يُعيد نفس التجارب القديمة والتقليدية البسيطة، متوقعا كل مرة نتائج جديدة واستثنائية ومبهرة.

يسعى هذا التيار مثلا لأن يصنع فضاء عموميا قائما على الأبوية السياسية والدينية والثقافية، متمركزة حول شخص رجل الدين مقتدى الصدر، يكون فيها هو الأب القائد الذي يوجه ويدير كامل لوحة الحياة العامة والخاصة لمناصريه، من تحالفاتهم السياسية الأكثر تعقيدا إلى أدق التفاصيل الحياتية الخاصة بهم، وأن يكون الولاء المُطلق لشخص الصدر هو الديناميك الأيديولوجي والسياسي والتنظيمي والثقافي في هذا التشكيل.

في نفس الوقت الذي يفعل فيه ما سبق، يتطلع لأن يكون تشكيلا مُتخما بالنزاهة والمؤسساتية والالتزام التنظيمي والاستقامة الأخلاقية والبراءة الوجدانية، شيء مليء بالاستحالة. فعالمنا المُعاصر، من كوريا الشمالية وحتى روسيا البيضاء، ومن زيمبابوي حتى فنزويلا، كان وما يزال، متخم بأمثلة لا تحصى، تثبت كل واحدة منها استحالة تحقق ذلك. نماذج قائمة على ثنائية بالغة الحتمية لمدى بداهتها، تقول إن أي نظام عام قائم على الأبوية والمركزية والولاء المُطلق، أيا كان شكله، حزبيا كان أو دولتيا، نقابيا أو عائليا، فأنه في المحصلة يؤدي إلى مزيج مُريع من الفساد والتفكك والعُنف والتمرد والصراعات الداخلية، التي عادة ما تكون عنيفة وماحقة، لا تنتج حداثة وتعايشا وديمومة، ولا تراكم أية معرفة وعمق قط.

أُثبِتَ هذا الأمر على مستوى التيار الصدري نفسه أكثر من مرة، وهو الذي أفرز عشرات القادة المحليين المتمردين ومئات الشخصيات السياسية المتصارعة فيما بينها، والآلاف من النخبة السياسية الفاسدة والوصولية. لكن التيار يعود كل مرة ويكرر التجربة مرة بعد أخرى، متوقعا نتائج غير تلك التي كانت، ويتفاجأ ويتظاهر ويخرج للشارع حينما لا يحدث ذلك!

ثمة نماذج مثل تلك لا تُحصى ضمن لوحة خيارات واستراتيجيات وسلوكيات التيار الصدري، تمشي على نفس السكة المنطقية السابقة، التي ليس بها أي أمل.

على سبيل المثال، يريد التيار الصدري أن يحافظ على فصائل "سرايا السلام" المسلحة المرتبطة به، ويستميت لأن يكون لهذا الفصيل موارد وحضور عسكري وهيمنة على مدن بعينها وأجهزة استخباراتية مستقلة، وتقول آخر الأنباء إنه يؤسس هيئة أركان خاصة به، وفي نفس الوقت يقول التيار إنه يتطلع لأن يكون العراق دولة مدنية، يسود فيها القانون العام وسلطة الدولة.

يحافظ التيار الصدري على شبكة المؤسسات الدينية والاقتصادية والبيروقراطية المرتبطة به، والمتمركزة حول الولاء المُطلق لزعامة الصدر وعائلته، في الوقت نفسه الذي يعبّر التيار عن رغبته ببناء دولة مدنية غير فاسدة تقدم الخدمات العامة بشفافية وعلى مسافة متساوية من جميع مواطنيها.

للتيار الصدري جهاز رهيب للتحشيد واستعمال الشارع والخطاب الطائفي والمناطقي، يميل على الدوام، ويهدد، باستخدام الشارع في وجه المؤسسات، لكنه في الوقت عينه جزء من كافة مؤسسات وحكومات وأجهزة السُلطة العراقية لا يتخلى عنها ويعتبرها أداته ومصدر معيشته ورمق عيشه، وحسب شروط وأفعال هذه المؤسسات في الدولة العراقية. وثمة مثلها الكثير من الثنائيات التي يُستحال الجمع فيما بينها.

ليس التيار الصدري استثناء عن باقي التنظيمات والتيارات السياسية العراقية، لكنه ذو نزعة خاصة في طلب الطُهرانية والمظلومية والتمايز عن باقي التشكيلات السياسية العراقية. وهذا التناقض الداخلي الحتمي في التيار الصدري متأتي من ثلاثة أورام تقليدية، أصابت وما تزال، كل التيارات السياسية في منطقتنا. لكن علاقة التيار الصدري بهذه الأورام خاصة للغاية، فهي في غاية الخلاصة وغاية التضخم في تجربته. بعبارة شعبية، إن التيار الصدري هو "أسنص" هذه الأورام.

فالتيار الصدري أولا هو مجرد عنوان. أي أنه خلاصة ما وصلت إليه التجارب الشمولية في منطقتنا، التي بدأت في مرحلة ما لتكون تيارات خلاصية وتقدمية وحداثوية وإصلاحية، أو تدعي بأنها تؤمن بذلك، ما لبثت أن تحولت في مرحلة تالية لأن تكون مجرد أيديولوجية خطابية، ومن بعدها تحولت لمُجرد أجهزة ومؤسسات شمولية، وفي المحصلة تكون مجرد عنوان عام لما هو فعليا الـ "لا شيء".

وقعت الشيوعية والناصرية والإسلام السياسي والأسدية والصدامية في مثل ذلك. لكن التيار الصدري بدأ واستمر كذلك، ففي أي وقت لم يكن في جعبته قط أية أيديولوجية ولا أي خطاب سياسي ولا فعل استراتيجي، بل هو عنوان عام عريض لتنظيم وفضاء حمائي لأنصاره. لا يشبه حتى تلك التنظيمات الإسلامية التقليدية، مثل الإخوان المسلمين وحزب الدعوة وغيرهما، بل مجرد غمامة عمومية.

كذلك فإن التيار الصدري إنما هو محصلة تشييد الصرح البطريركي العائلي، القائم على التراتبية المُحكمة والأبوية السلطوية. هذا التفصيل الذي هو المُحصلة الأخرى لما وصلت إليه كيانات وأنظمة ونزعات منطقتنا، والتي تعبر بعمق عما أصابها من ترهل وتفسخ وفقدان لأية طاقة. فالعائلية بمعنى ما، هي تتويج السلطوية السلطانية العنيفة رمزيا وماديا. العائلية التي تعني في جوهرها قسوة إلغاء للمُجتمع والحداثة والمدنية، وأولا الدولة، واختصار العموم والعام في شخص وعائلة وسُلالتهما.

أخيرا، فإن التيار الصدري هو التمثيل الأكثر وضوحا لما يُمكن تسميته بالحشد الشعبوي، وبالتالي هو أحد المصادر الأكثر أثارة لنتائج مثل هذه التيارات. فملايين المُناصرين لهذا التيار، بالذات من البُسطاء والفقراء، مستعدون على الدوام لأن يخرجوا إلى الفضاء استجابة لأي نداء يوجه إليهم من قيادات التيار، والأخطر أنهم مستعدون لفعل كل شيء قد يُطلب منهم في ذلك الفضاء العام، بما في ذلك الهجوم على مؤسسات الدولة وأجهزة النظام العام.

ليس ذلك التحشيد والشعبوية مجرد سلوك سياسي وتكتيك تنظيمي يضغط به التيار على خصومه، بل يكاد أن يكون منطقا وهوية لأبناء التيار وعلاقتهم مع رأس هرم تشكيلهم، تحاول هذه الأخيرة أن تحافظ عليه بأي ثمن. فقط لأن مثل ذلك المنطق الشعبوي والاحتشادي يسمح لقيادة التيار الحفاظ وضبط قواعد التيار.


الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لموقع كلمة الإخباري.