النجف وبغداد بين حشدين
الأثنين / 20 / أيار - 2019
546

مصطفى فحص

أثارت وسائل إعلام عراقية وعربية جدلا سياسيا واسعا داخل العراق وخارجه، بعدما تناقلت خبرا نشرته أحد الصحف العربية نسبته إلى سياسي عراقي كشف فيه بأن المرجع الأعلى السيد علي السيستاني قد أبلغ الرئاسات العراقية الثلاث بضرورة النأي بالنفس في الصدام المحتمل بين إيران وأميركا، فالخبر، الذي نفت صحته كل الأطراف المعنية في النجف وبغداد، ادعى من نُسب إليه (السياسي العراقي ) معرفته بتفاصيل الزيارة التي قامت بها الشخصية النجفية المستقلة، النائب السابق الدكتور عبد الهادي الحكيم القريب من المرجعية إلى بغداد ولقائه مع كبار المسؤولين العراقيين، وفي مقدمتهم رئيس الوزراء الدكتور عادل عبد المهدي، والادعاء أن الحكيم نقل لعبد المهدي رسالة بشأن الأزمة الحالية بين واشنطن وطهران، وهي ضرورة تجنيب العراق شظايا الصراع بين الولايات المتحدة وإيران.

فصفة الخبر المدلس في المتن والإسناد وفقا للقياس الفقهي، الذي تعتمده المدارس الدينية الإسلامية في عملية التأكد من صحة الحديث، تنطبق على الخبر باعتباره مدلسا في إسناده، لو تمت الاستعانة بالقاعدة الفقهية في قياسه على احتمال التدليس والتي تقول "إن يروي الراوي عمَّن قد سمع منه ما لم يسمع منه، من غير أنْ يذكر أنَّه سمعه منه، فيسقط ذلك الراوي، ويرويه عنه بلفظ محتمل للسَّماع وغيره، كـ: قال أو عن؛ ليوهم غَيْرَهُ أنه سمعه منه".

ولكن في متن الخبر (الحديث) يتقصد الراوي (السياسي الذي لم يذكر اسمه) التصويب على موقف النجف الذي اختصره في "النأي بالنفس" (مع العلم أن المرجعية لا يمكن إلا وأن تكون ضد الحرب كما كانت ضد تجويع الشعب الإيراني)، كما يهدف إلى خلق إشكالية سياسية وأخلاقية، بحيث أنه من المفترض أن يكون موقف المرجعية الدينية رفضا للحرب في المطلق، وهي مطالبة بأن تكون أوضح باعتبار أن الحرب ستشن ضد بلد مسلم أغلب مواطنيه من أتباع مذهب أهل البيت ما يحملها أعباء إضافية، ويضعها على تماس مباشر مع بعض الجماعات العراقية العقائدية التي أعلنت مسبقا عن وقوفها عسكريا إلى جانب طهران، والتي تطالب العراقيين بحسم خياراتهم إلى جانبها دون أدنى مراعاة للمصالح الوطنية العراقية في مرحلة حساسة قد تؤثر على مستقبل العملية السياسية برمتها وعلى وحدة واستقرار العراق وعلاقاته الإقليمية والدولية.

وفي هذا الصدد يقول الكاتب العراقي إياد العنبر في مقال نشره على موقع الحرة "إلى الآن لا يوجد فك ارتباط ما بين العراق وإيران على المستويَين الاقتصادي والسياسي، ولم يُحدد العراق موقفا واضحا عن طبيعة علاقته بواشنطن؛ فهل هو حليف استراتيجي، أم أنه دولة صديقة؟ وبالتأكيد فإن عدم حسم العراق خياراته أو إقناع الأميركيين بصعوبة موقفه لن يُرضي ثلاثي الإدارة الأميركية الحالية (ترامب ـ بولتون ـ بومبيو)، الذي يجسد عمليا مبدأ "من ليس معنا فهو ضدنا".

من النجف إلى بغداد يرتفع منسوب القلق العراقي من أن يتحول العراق إلى ساحة تصفية حسابات بين طهران وواشنطن، خصوصا بعد زيارة وزير الخارجية الأميركية بومبيو الأخيرة إلى بغداد، وما حملته من رسائل أميركية صارمة للقيادة العراقية، وما كشفته صحيفة غاردين البريطانية نقلا عن مصدرين استخباريين بأن قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني الجنرال قاسم سليماني اجتمع في بغداد قبل عدة أسابيع مع قيادات في الحشد وطالبها بالاستعداد "للحرب بالوكالة".

تحاول بغداد بشتى السبل تجنب حرب مباشرة أو بالوكالة، حتى لا تنعكس ارتداداتها على استقرارها الداخلي الهش، حيث أنها تواجه أزمة سياسية وأمنية هي الأخطر منذ الانتصار على "داعش"، فهي عالقة بين معضلتين: الحشد الشعبي الذي تطالب واشنطن بحله، وحشود أميركية تطالب طهران بمواجهتها، وتعلم أنها عاجزة عن تلبية الطلبين، وتتخوف من أن تُقدم فصائل الحشد على أي تحرش ضد مصالح غربية على أراضيها، ما يتسبب بإحراج كبير لها، ويضعها أمام امتحان السيادة، وهو ما قد يفتح مخاطر مواجهة داخلية ما بين الحشد والجيش المعني الأول في حفظ الأمن والاستقرار.

بين حشدين، تتحمل النجف أعباء ضعف ما تتحمله بغداد، لكنها تلزم نفسها بممارسة دورها الرعوي الذي بات عامل توتر ما بينها وبين من يريد تخندق العراق إلى جانبه، وكأنه دولة منقوصة السيادة لا يحق لها اتخاذ القرار بعيدا عن الضغوط الخارجية.


الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لموقع كلمة الإخباري.