كيف نجحت بغداد في كسر الجليد بين الرياض وطهران؟
الأربعاء / 21 / نيسان - 2021

بعد قطيعة دامت قرابة أربع سنوات، بدأت الرياض وطهران استكشاف آفاق استئناف علاقاتهما الدبلوماسية بوساطة عراقية. الإعلام الألماني تابع هذه الخطوة باهتمام، معتبرا أن التقارب بين الغريمين قد يعيد خلط أوراق الشرق الأوسط.

كشفت صحيفة فاينانشال تايمز (الأحد 18 أبريل / نيسان 2021) أن مسؤولين سعوديين وإيرانيين رفيعي المستوى اجتمعوا في (التاسع من أبريل/ نيسان) في سياق محادثات مباشرة في خطوة جريئة لكسر جدار عدم الثقة، وبالتالي إصلاح العلاقات بين الغريمين الإقليميين.

الصحيفة ذكرت أن الاجتماع الأول احتضنته العاصمة العراقية بغداد شملت الوضع في اليمن وهجمات جماعة الحوثي المتحالفة مع إيران ضد السعودية. ويذكر أن رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي قد زار السعودية أواخر شهر مارس/ آذار الماضي. السياق الإقليمي والدولي دفع بعض المراقبين إلى توقع إمكانية تحقيق اختراق في المحادثات بين البلدين في سياق تحاول فيه واشنطن إحياء الاتفاق النووي المبرم مع إيران عام 2015، كما تضغط في اتجاه إنهاء الحرب في اليمن التي صُنفت منذ البداية على أنها حرب بالوكالة بين السعودية وإيران.

وبهذا الصدد ذكًرت صحيفة زوددويتشه تسايتونغ" الصادرة في ميونيخ، في عددها يوم (الأحد 18 أبريل/ نيسان 2021) بأن "السعودية والإمارات تتابعان بريبة كبيرة المفاوضات النووية في فيينا مع إيران (..) الإمارات الخليجية السنية الحليفة للولايات المتحدة فوجئت، عندما وقع الرئيس باراك أوباما الاتفاق النووي مع منافسهم الشيعي. الرياض وأبو ظبي لم تُخفيا حماستهما حينما ألغى الرئيس دونالد ترامب "أسوأ صفقة على الإطلاق" ودعمتا "حملة الضغط الأقصى" ضد الجمهورية الإسلامية.

وساطة عراقية ـ بغداد بن المطرقة والسندان!

تمكنت الدبلوماسية العراقية من تحقيق إنجاز كبير بمجرد نجاحها في الجمع بين الخصمين اللدودين على مائدة واحدة هذا الشهر بعيدا عن الأضواء، حسب ما أكدته عدة تقارير إعلامية. وإذا ما تأكد زخم هذه المباحثات، فقد تعيد ترتيب الأوراق في المنطقة برمتها. فالعراق وجد نفسه على الدوام في منزلة بين المطرقة والسندان بين الجارين القويين، الشيعي في الشرق والسني في الجنوب. بغداد استضافت في التاسع من أبريل / نيسان الجاري اجتماعا ضم وفدا سعوديا برئاسة رئيس جهاز المخابرات خالد بن علي الحميدان وآخر إيرانيا برئاسة مفوضين من قبل الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي شمخاني، حسبما أكد مسؤول عراقي حكومي.

ويرى العراق أنه سيكون من كبار المستفيدين من تخفيض حدة التوتر، ولما لا استئناف علاقات طبيعية بين طهران والرياض اللتين قطعتا اتصالاتهما عام 2016 على خلفية اتهامات متبادلة بزعزعة استقرار المنطقة؟ فالعراق يعاني من هجمات بالصواريخ أو بعبوات ناسفة تنفذها بوتيرة أسبوعية فصائل يعتبرها المراقبون أداة ضغط بيد إيران تستعملها في كل مفاوضاتها مع بغداد.

 وبعد استقالة رئيس الوزراء عادل عبد المهدي الذي أدخل فصائل موالية لإيران في بنية الدولة العراقية، تولى مصطفى الكاظمي رئاسة الحكومة. وقد لعب دورا رئيسيا في الجمع بين المنافسين الإقليميين وهو الذي حافظ على علاقة جيدة مع إيران وإن كان كثيرون يعتبرونه رجل واشنطن في العراق. كما أنه حافظ على صداقة شخصية مع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان. صفات ومزايا أعطت للكاظمي مصداقية للعب دور الوسيط النزيه بين الطرفين.

مجيء إدارة بايدن ـ العراق يتنفس الصعداء!

 شكل شهر يناير/ كانون الثاني 2020 تاريخا مفصليا كاد أن يُفجر من جديد التوازنات الهشة في الشرق الأوسط، وذلك إثر اغتيال الجنرال الإيراني قاسم سليماني بضربة أمريكية في بغداد، ما هدد حينها بتحويل العراق إلى ساحة حرب غير مباشرة بين اللاعبين الإقليميين الأساسيين. غير أن مياها كثيرة جرت في النهر منذ ذلك الحين، فقد استلمت حكومة جديدة السلطة في بغداد وأدمجت فصائل موالية لطهران في المنظومة الأمنية للدولة العراقية كما عملت على الحفاظ على علاقة جيدة مع الولايات المتحدة وإيران والسعودية على حد سواء. وساهمت مغادرة ترامب للبيت الأبيض وتسلم جو بايدن زمام الحكم في واشنطن، في جعل بغداد تتنفس الصعداء، خصوصا على خلفية العودة إلى الاتفاق النووي بين إيران والقوى الدولية.

ورغم أن الصحافة الرسمية السعودية سارعت إلى نفي التقارير بشأن مباحثاتها مع إيران، إلا أن أوساط موالية لإيران أكدت في مرحلة أولى أن "الإيرانيين اختاروا عدم التعليق احتراماً للموقف السعودي"، في وقت يبدو فيه أن تلك المحادثات لا تزال جارية. غير أن الأمر تغير (الاثنين 19 أبريل / نيسان2021) بعد ترحيب الخارجية الإيرانية رسميا بالوساطة العراقية، وهو ما أكده السفير الإيراني في بغداد الذي أوضح أن طهران ترحب دائما بالحوار مع السعودية.

ويذكر أن الأخيرة عارضت بقوة، كما إسرائيل، الاتفاق النووي مع إيران بسبب تجاهله للبرنامج طهران الصاروخي، وكذلك سياستها في المنطقة. وهو الموقف الذي جددته الرياض الثلاثاء (20 أبريل/ نيسان 2021) بدعوتها إلى ضرورة توصل المجتمع الدولي لاتفاق بمحددات أقوى مع إيران لمنعها من الحصول على السلاح النووي. وأوضح وزير الإعلام المكلف، الدكتور ماجد بن عبدالله القصبي، في بيانه عقب الجلسة الأسبوعية التي عقدها مجلس الوزراء برئاسة الملك سلمان بن عبد العزيز أن "مجلس الوزراء، جدد في سياق استعراضه التطورات الراهنة لبرنامج إيران النووي، دعوة المملكة لإيران بالانخراط في المفاوضات الجارية، وتفادي التصعيد وعدم تعريض أمن المنطقة واستقرارها إلى المزيد من التوتر". ولم ينس المجلس "التنديد بمحاولات الميليشيا الحوثية الإرهابية المدعومة من إيران استهداف المدنيين والأعيان المدنية بالمملكة بطريقة ممنهجة ومتعمدة باستخدام طائرات دون طيار (مفخخة) وصواريخ باليستية، والتي تمكنت قوات الدفاع الجوي الملكي السعودي من اعتراضها وتدميرها".

سعي دول الخليج لأن تكون شريكة في الاتفاق

في سياق متصل، أعربت الخارجية السعودية عن "قلقها" من قرار طهران تخصيب اليورانيوم بنسبة 60 في المائة، وباتت بالتالي قاب قوسين أو أدنى من حاجز 90 في المائة المطلوب لإنتاج أسلحة نووية. قرار جاء كرد على التخريب الذي تعرض له مفاعل التخصيب في نطنز. من جهتها، دعت الإمارات الرئيس الأمريكي جو بايدن على لسان سفيرها في واشنطن يوسف العتيبة، إلى تصحيح أوجه القصور في اتفاق 2015. وأوضح العتيبة أن "المنطقة تبدو مختلفة اليوم، هناك ديناميكية مختلفة"، في إشارة إلى العلاقات الرسمية لبلاده مع إسرائيل والتحالف غير الرسمي للدول العربية مع الدولة العبرية ضد إيران. وأضاف العتيبة مخاطبا الرئيس بايدن لاستغلال "مكاسب" الإدارة الأمريكية السابقة في مواجهة إيران للتوصل إلى اتفاق نووي أفضل معها. وأكد العتيبة في حوار عبر الإنترنت مع معهد "هوفر" التابع لجامعة ستانفورد الأمريكية "تجلسون فعليا في مقعد القيادة إلى الدرجة التي يمكن فيها معالجة ما أعتقد أنه أوجه قصور في خطة العمل الشاملة المشتركة" في إشارة إلى الاتفاق النووي مع إيران.

"زوددويتشه تسايتونغ" خلُصت إلى أن دول الخليج تسعى لأن تكون شريكة في المفاوضات وألا توضع مرة أخرى أمام الأمر الواقع. وأوضحت أن السعودية ليست الوحيدة التي تبحث عن اتصال مباشر مع طهران، وقالت إن مبعوثين إماراتيين التقوا مرارًا وتكرارًا بممثلي الجمهورية الإسلامية.

قطعت السعودية الاحد 3 يناير/كانون الثاني 2016 علاقاتها الدبلوماسية مع إيران ردا على الهجوم على بعثاتها الديبلوماسية فيها وعلى الموقف الإيراني المنتقد بشدة لإقدام الرياض على إعدام رجل الدين السعودي الشيعي نمر النمر. وليست هذه هي الأزمة الدبلوماسية الأولى بين البلدين.

الرياض متمسكة بضرورة الحد من نفوذ طهران

يعتبر خبير شؤون الشرق الأوسط سيباستيان سونز من مركز أبحاث "كاربو" أن السعوديةلن تتخلى عن هدفها الأكبر وهو الحد من نفوذ الجمهورية الإسلامية في المنطقة، وخاصة في اليمن حيث يهدد الحوثيون أمن واستقرار المملكة بهجماتهم الصاروخية والطائرات بدون طيار. فقد فشل التحالف العسكري الذي تقوده منذ 2015 في كسر شوكة الحوثيين، وهي تعلم أن مفاتيح الحل في طهران. ثم إن "السعوديين لا يجرؤون على معارضة المفاوضات النووية علانية. لقد قبلوا الآن التفاوض أو على الاتفاق الأصلي مع طهران بمفرده"، كما أوضح الخبير لصحيفة "تاغسشبيغل" البرلينية في عددها الصادر يوم (19 أبريل/ نيسان 2021).

وتسعى المملكة للظهور أمام الإدارة الأمريكية الجديدة، بمظهر الشريك البناء والواقعي، غير أنها قد تسعى في مرحلة لاحقة إلى توسيع الاتفاق ليشمل البرنامج الصاروخي. وفي هذا السياق يمكن فهم مساعي المصالحة التي تقودها بغداد بين العدويين الإقليميين، تقول صحيفة "تاغسشبيغل". طهران أكدت أن المحادثات لم تتوصل بعد إلى أي نتيجة وأضافت أن "الجمهورية الإسلامية تدعم وساطة بغداد لتقريب طهران من دول واجهنا معها تحديات أو تشهد علاقاتنا فيها فتورا، وتم إبلاغ مسؤولين عراقيين بذلك".