الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. ’’قانون فطري’’ كيف نفعله؟
السبت / 13 / آذار - 2021
محمد باقر السيستاني

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (١)

إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أحد دعامتي حياة الإنسان، وذلك أن حياة الإنسان ككائن مميز تبتني على دعامتين:

الأولى: قوانين الحياة التي تنظم سلوك الإنسان وتحدد ميوله وغرائزه وانفعالاته تحرياً لصلاحه الفردي والجمعي في العاجل والآجل، وقد أودعت أصول تلك القوانين في النفس الإنسانية وعرفت على الإجمال بالمعروف والمنكر، فالنفس الإنسانية قد فطرت على الشعور بالانسجام مع سلوكيات معينة والاستئناس بها والركون إليها، وذلك كالعدل والصدق والعفاف والوفاء والإحسان والرحمة وأخواتها، وعلى الشعور بالحزازة من سلوكيات أخرى مضادة لها والضيق منها والرغبة في مباعدتها كالظلم والعدوان والكذب والخيانة والفواحش وأخواتها. ومن هنا سميت السلوكيات الحسنة بالمعروف لأنها مما تعرفه النفس وتجد صلة بها ووشيجة معها حتى كأنها عقدت عليها، والسلوكيات الأخرى بالمنكر لأن النفس تتنكر لها حتى كأنها غريبة عنها مستوحشة منها.

والثانية: تنفيذ هذه القوانين من خلال الأدوات التربوية والعملية، وذلك ما يفي به الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهذه الخصلة هي دعامة الحياة الإنسانية، لأنها أداة تنفيذ المعروف والحيلولة دون المنكر، وإذا كان المعروف والمنكر يمثلان القانون الفطري للحياة والذي تسعى جميع القوانين إلى تضمينها وتحريها عند تشابه الموقف منها، فلا بد لهما من أداة لتنفيذهما وإلا لم يكونا قانوناً، وليست تلك الأداة إلا الحث على المعروف والترغيب عن المنكر بمراتبه المختلفة.

وهذه الخصلة هي خصلة فطرية في الإنسان، فالشعور الفطري للإنسان كما يحفز ه فيما يتعلق بسلوكه الشخصي على الإتيان بالمعروف وتجنب المنكر فإنه يحفزه على حثّ الآخرين على المعروف والترغيب عن المنكر.

ولأجل تنفيذ هذه الخصلة بُعث الأنبياء وجُعل الأوصياء، كما قال سبحانه: [الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ].

كما أن إليها تنتمي وظيفة الدولة في إحقاق الحقوق وتطبيق القوانين العادلة، قال تعالى: [الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّـهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ].

ووظيفة المجتمع والقيادات الاجتماعية في نصرة المظلوم ودفع الظالم، قال تعالى: [وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ].

ووظيفة الوالدين في داخل الأسرة في صيانتها وحسن تربية الأولاد فيها، قال تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّـهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ].

 

ووظيفة المعلمين في توجيه تلامذتهم والمتعلمين منهم تجاه السلوكيات الصحيحة والسليمة: [لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ].

فهذه الخصلة هي أساس إقامة العدل والإيفاء بالحق وهي مرتكز الحياة الإنسانية وقاعدتها.

وإن هذه الخصلة لهي خصلة رائعة حقاً من خصال الإنسان بما تمثله من اهتمام الإنسان بالسلوك الملائم من أخيه الإنسان وحرصه عليه، وتكاتف الناس فيما بينهم على البر والتقوى وتعاونهم على رفض الإثم والعدوان، ومحبة الإنسان لأخيه ما يحب لنفسه وكراهته له ما يكره لنفسه، وصيانته الجو العام عن التلوث بالأفعال الذميمة والسلوكيات غير الملائمة، ويتكاتف الناس من خلاله على المحافظة على قواعد الحياة وقوانينها ونواميسها وسنن الخير والصلاح والسعادة فيها.

وإن الإنسان المؤمن المتقي كما هو حريص على إتيان المعروف وتجنب المنكر في سلوكه الشخصي فإنه لحريص على أداء هذه الفريضة على وجهها حسبما يفرضه موقعه في الحياة سواء كان حاكماً ومسؤولاً أو أباً أو أماً أو أخاً أو أختاً أو زوجاً أو زوجة أو رحماً أو جاراً أو صديقاً أو جليساً أو ناظراً، كما قال الله سبحانه: [وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّـهَ وَرَسُولَهُ أُولَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّـهُ إِنَّ اللَّـهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ].

المصدر: موقع الأئمة الاثني عشر