ماذا يريد العراقيون من بايدن؟
الأربعاء / 03 / شباط - 2021
اياد العنبر

في نهاية ولاية الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما، وعندما كان جوزيف بايدن نائبا للرئيس، كان العراق يخوض معاركه ضد تنظيم داعش، ولم تحسم المعركة بعد.

وفي ذلك الوقت كانت نقطة الالتقاء بين الإدارة الأميركية وبين العراقيين هي كيفية حسم المعركة وتحقيق النصر على الجماعات الإرهابية. لذلك فإن أغلب التصورات التي تعطي ملامح عامة لسياسة بايدن، بعد وصوله إلى البيت الأبيض، قد تكون مرتبطة بفترة إدارة الرئيس أوباما أو قبل ذلك كسيناتور في مجلس الشيوخ. ولكن هذه التصورات ليست هي المشكلة!

المشكلة الحقيقة تكمن في تصور الطبقة السياسية والكثير من العراقيين إزاء ما يريدونه من إدارة بايدن أو ما يتمنون أن تحققه بشأن العراق. ولعل الرسالة التي بعثها رئيس الوزراء الأسبق وزعيم ائتلاف الوطنية، إياد علاوي، إلى الرئيس الأميركي جوزيف بايدين توضح موقف أحد أطراف القوى السياسية في العراق، التي لا تترك مناسبة إلا تعبر فيها عن تناقضات الرؤية والمواقف. ورغم أن إياد علاوي يريد تذكير الأميركيين بالأخطاء التي ارتكبوها في العراق، لكنه اختار التاريخ الخطأ عندما تحدث عندما اعتبرها بدأت في 2010، فالأميركيون ارتكبوا الكثير من الأخطاء- والتي أشرت بعضها رسالته- ولعلَّ أهمها ترك أبواب ومنافذ الفساد مفتوحة أمام الزعامات السياسية وشخصيات الطبقة السياسية، وأعتقد أن هذا الموضوع كان الخطيئة الكبرى التي لا تزال تداعيتها حتى الآن واضحة بعمل المنظومة السياسية القائمة على أساس التخادم المصلحي للطبقة السياسية وسيطرتها على موارد الدولة.

ومن زاوية أخرى، تعبر رسالة السيد علاوي عن مشكلة في تفكير بعض الزعامات السياسية وقطاعات كثيرة من العراقيين، باعتقادهم بأن إدارات البيض الأبيض يجب أن تتماهى مع مصالح تلك الزعامات ورغبات بعض العراقيين، ويعتقدون بأن الرئيس الأميركي أو السياسيين الأميركيين ليس لديهم شغل شاغل غير ما يحدث في العراق! وكأنما الولايات المتحدة عملت على اسقاط نظام صدام الدكتاتوري من دون حسابات مصلحتها كدولة لديها مصالح في الشرق الأوسط. ولذلك نجد الكثير من السياسيين وحتى الجمهور يريدون أميركا أن تعمل على تخليص العراقيين من النظام السياسي الذي أثبت فشله وعجزه عن الاستجابة لتوفير أبسط المتطلبات العامة للمواطنين.

وتكمن المشكلة الأكبر في مواقف القوى السياسية التي لا تنظر إلى العلاقة مع الإدارة الجديدة للبيت الأبيض إلا من خلال دائرة الاشتباك بين طهران وواشنطن، فهي تتنظر تعامل إدارة بايدن مع الملف الإيراني، وردود أفعال القيادة الإيرانية منها. ولذلك لا يمكن لبعض القوى السياسية في العراق الخروج من تلك الدائرة، لأن مواقفها من الأمريكان لا ترتبط بالشأن العراقي فحسب، وإنما تتماهى تماما مع التوتر أو الهدوء في العلاقات الإيرانية-الأمريكية.

وهناك قوى سياسية أخرى، لا تزال تعتقد بأنها ليست معنية بالقرار أو المواقف السياسية للحكومة أو القوى السياسية التي تهيمن على القرار السياسي في العراق، وتحديدا القوى السياسية الشيعية. فالكرد يعتقدون بأن علاقتهم مع واشنطن لا يمكن أن تتأثر بما يحدث في بغداد أو الجنوب والوسط وحتى المناطق الغربية. فحكومة اقليم كردستان والزعامات السياسية لديهم قنوات التواصل المباشرة الرسمية وغير الرسمية مع الأميركيين وفي أراضيهم القنصلية الأميركية الأكثر فاعلية على مستوى بقية مناطق العراق.

أما القوى السياسية السنية، فهي أيضا منقسمة فيما بينها بشأن رؤيتهم أو تطلعاتهم لإدارة بايدن، فالبعض يتمنى أن يعيد الرئيس بايدن مشروع (التقسيم السلس) الذي طرحه في 2006. ولذلك كانت تصريحات الترحيب والمباركة بفوز بايدن في الانتخابات تحمل في طياتها الرغبة في إعادة طرح هذا المشروع بعنوان فدرالية الإقليم السني. بيد أن البعض الآخر لا يزال يرى أن هذه الموضوع لا يرتبط بموافقة ودعم إدارة البيت الأبيض الجديدة فحسب، وإنما يحتاج الكثير من الترتيبات التي تتعلق بالاتفاق على تقاسم مغانم السلطة مع الشركاء في العلمية السياسية.

وتبقى المشكلة الأكثر تعقيدا من رغبات الأطراف السياسية في العراق، فالقوى الإقليمية الفاعلة والمؤثرة في القرار السياسي العراقي، تعتقد أن العراق هو الساحة الأكثر تأثيرا لإرسال الرسائل سواء بالتهدئة أو بالتصعيد ضد المصالح والتواجد الأميركي فيه. بالمقابل لا أحد يعرف لحد الآن ما هي الرؤية التي يحملها الرئيس بايدن وفريقه الحكومي بخصوص التعامل مع التطورات السياسية والعسكرية في العراق، وهل سيتم طرح موضوع العودة للتفاوض بشأن الملف النووي الإيراني في قبال شروط جديدة، قد يكون على رأسها تقليص النفوذ الإيراني في العراق والمنطقة؟

ورغم ذلك، تبقى المعضلة الأكبر في ضبابية وتشتت الرؤى السياسية العراقية بشأن طبيعة العلاقة مع الأميركيين، إذ لم يتم حسم توصيفها لحد الآن، فهي تتأرجح ما بين الحليف الاستراتيجي، والصديق، والعدو! ويبدو أنها تجمع كل التناقضات في "دولة" لا تنحصر سياسته الخارجية في المؤسسات السياسية الرسمية، وإنما تعبر عنها مواقف الزعامات والأحزاب السياسية، وحتى جماعات الفصائل المسلحة.

أما حكومة الكاظمي فهي خير من يمثل الفوضوية وعدم الوضوح في المواقف السياسية بشأن مستقبل علاقتها مع واشنطن، إذ تقف حائرة أمام تقاطعات مواقف القوى السياسية التي تتماهى مع الرؤية والمواقف الإيرانية، وبين رغبتها بعدم التقاطع مع مواقف الإدارة الأميركية، ولذلك هي تفشل دائماً في احتواء المواقف ولا تجد غير تسويق البيانات والتبريرات الساذجة عندما يصدر قرار أميركي يستهدف قيادات سياسية ويضعها ضمن قائمة العقوبات الأميركية.

والمأزق الأكثر تعقيدا في البحث عن إجابة ماذا يريد العراقيون من الرئيس بايدن، يكمن في المخيل السياسي الشعبي عند العراقيين، إذ لا يزال الكثير منهم يعول على أن تكون أميركا هي المنقذ مرة أخرى! فهم لا يعطون أهمية للانتخابات ولا حتى للاحتجاجات ضدّ طبقة سياسية فاسدة وفاشلة! فهم يركنون دائما إلى الحلول الخارجية الجاهزة، ولا يريدون أن يقتنعوا أن دولة كبرى مثل الولايات المتحدة الأميركية تعمل وفق مبدأ مصالح بلادها أولا وأخيرا. وهي ليس مثل العراق "دولة" بالعنوان فحسب، ومن يتحكم بقرارها السياسي الداخلي والخارجي هو مصالح زعامات تدين بالولاء لمن هو خارج الحدود.