الجمعة 18 ربيع الآخر 1448هـ 2 أكتوبر 2026
موقع كلمة الإخباري
المرجعية العليا ومفهوم «الأبوة الجامعة»
الشيخ علي الحسون
المرجعية العليا ومفهوم «الأبوة الجامعة»
2026 / 09 / 28
0

من المفاهيم التي تعين على فهم موقع المرجعية الدينية العليا ومواقفها، مفهوم «الأبوة الجامعة»؛ فالمرجعية ليست في وجدان المؤمنين مجرد جهة لبيان أحكام العبادات والمعاملات ونحوها، وإن كان ذلك من أجل وظائفها وأعظمها شأناً، بل هي امتداد لمقام علمي وروحي وأخلاقي راسخ، يحمل هموم المؤمنين، ويعيش آلامهم وآمالهم، ويستحضر في نظره مصالحهم ومصالح المجتمع على امتداد الحاضر والمستقبل.

ومن هنا، لا يصح اختزال مواقف المرجعية في قراءة حزبية أو سياسية ضيقة أو مرحلية؛ فمقامها أوسع من الاصطفافات العابرة، ونظرتها أبعد من حسابات اللحظة الراهنة.

إنها تنظر إلى مجموع الصورة، وإلى ما قد يترتب على الموقف من آثار قريبة وبعيدة، في ضوء ما تقتضيه الوظيفة الشرعية من دقة التشخيص، وسعة النظر، ومراعاة مصالح عموم المؤمنين.

المرجعية وموقعها الجامع:

ومن خصائص هذا المقام المحافظة على استقلال المرجعية عن التحزب والاستقطاب، مع بقاء طريق الإرشاد والتوجيه مفتوحاً للجميع. ولذلك فإن قراءة مواقفها تحتاج إلى قدر من التجرد عن الحسابات الخاصة والقناعات المسبقة؛ فليس كل موقف منها قابلاً لأن يدرج في الخريطة المعتادة للاستقطاب: مع هذا أو ضد ذاك!

وقد يكون وراء الموقف نظر إلى مصلحة أوسع، أو ملاحظة لآثار بعيدة، أو رعاية لجملة من المصالح المتداخلة التي لا تظهر جميعها في المشهد العاجل.

الأبوة الجامعة:

والأبوة هنا ليست عنواناً عاطفياً فحسب، بل هي تعبير عن سعة المسؤولية وشمول النظرة. ففي داخل البيت الشيعي تتعدد الآراء والمناهج والتصورات، ويتسع مجال البحث والنقاش بين العلماء والمفكرين، غير أن مقام المرجعية العليا يبقى مقاماً جامعاً يتسع لهذا التنوع حسب الحدود والضوابط الشرعية.

ومن هنا تتضح دقة العلاقة بين المرجعية والمكلف؛ فالمؤمن يتابع مرجعيته ومواقفها وتوجيهاتها، ويحاول أن يقرأها في سياقها الكامل، بعيداً عن اقتطاع كلمة من سياقها، أو تحميل موقف ما أكثر مما يحتمل، أو إسقاط الحسابات الخاصة عليه.

المسافة من الجميع:

ومن مقتضيات هذا الموقع الجامع أن تبقى المرجعية بعيدة عن التحول إلى طرف في تفاصيل الخصومات الداخلية أو الإقليمية؛ فهي ليست عنواناً لفئة دون أخرى، ولا رمزاً يختزل في موقف سياسي عابر.

وهكذا تتجلى المرجعية في صورتها الأوسع: علم وفقاهة، وفتوى وتوجيه، ورعاية ومسؤولية، وحضور في اللحظات التي تشخص فيها بدقة وحكمة حاجة المجتمع المؤمن إلى توجيه هادٍ، أو موقف يحفظ المصالح، أو يد تمتد بالعون والرعاية.

ولذلك قد لا تفهم بعض مواقف المرجعية، بل وحتى صمتها الحكيم في بعض المواضع إذا عزلت عن هذا السياق الجامع؛ إذ قد تتصل بدلالات أوسع من ظاهر الحدث، ولا تظهر حقيقتها كاملة لمن ينظر إلى المشهد من زاوية واحدة أو من داخل لحظته العابرة.

التعليقات