النظريات الريعية في الاعتماد على الموارد النفطية
الأربعاء / 15 / تموز - 2020
عبد الخالق الفلاح

ان الاعتماد على النفط كمورد لاي دولة تجربة مشلولة وبلاشك خاطئة لانه لايمكن الاعتماد على هذه الطاقة لوحدها كمصدر أساسي للدخل القومي رغم انه يحظى في عالمنا اليوم بأهمية بالغة، لا سيما أنه يستخدم لتوليد الكهرباء وتشغيل المصانع ويدور به الاقتصاد ريعياً وتأثيره على بنيان الدول التي تعتمد عليه كمصدر أساس في دخلها القومي وفي الآثار السلوكية على المواطن نتيجة اعتماده على ما تنفقه الدولة من أموال وغيرها من الاستعمالات الأخرى، مما جعله بمثابة شريان الحياة بالنسبة للصناعات في اكثر الأمم في العقدين الثالث والرابع من القرن الماضية وما بعدها بشكل كبير وواسع ونتذكر دور النفط في التنمية، ودور مداخيلها في الثمانينيات والتسعينات وما نتج منها من ضخ أموال طائلة صعدت من مستوى بعض الدول الفقيرة التي لم تكن في الحسبان و لم تكن هي معروفة في التاريخ وعلى الرغم من الاعتماد على الخطط القصيرة المدى لتنمية المجتمع و سادت في اكثر هذه البلدان ولم تكن هناك خطط وأهداف إلى ما بعد ثلاثين عاماً أو خمسين سنة قادمة؛ فكانت النتائج ما نراه والآن سوف تمر سنوات عجاف اخرى من جراء نزول أسعار البترول مادامت تعتمده في سياساتها السنوية في اعداد الميزانيات عليه وما نلمسه في وقتنا الحاضر من فوضوية القرارات التي تعالج الخطأ بأخطاء أخرى، واستمرارية الدوامة.

الظروف الحالية والازمات المالية والاقتصادية التي غزت العالم بعد وباء كوفيد 19 اثبتت على انه لا يمكن الاعتماد على مورد واحد في ادارة الدول فيجب تنويع المصادر المالية والاعتماد عليها في بناء البنية التحتية الانتاجية وتشغيل الايدي العاملة وخاصة اذا ما عرفت من الموارد النافذة مثل الكمارك والطيران والماليات وتطوير الصناعات .. الخ والملاحظة المهمة التي ينوه عنها خبراء الطاقة أن أقصى كمية يمكن استخراجها من آبار النفط في مختلف أرجاء العالم سوف لن تتجاوز العشرين سنة القادمة ، ورغم انه من غير المرجح أن ينفد احتياطي النفط الخام بشكل كامل، إلا أن هذا لا يعني أن الكميات المتبقية ستكون صالحة للاستخدام وبالجودة ذاتها، وسوف تحتوي على مستويات عالية من الملوثات، على غرار الكبريت،و الصدمات النفطية سوف تتواصل بسبب دخول النفط للمعترك السياسي بعد انتهاء أزمة كورونا وما مارسته الولايات المتحدة الأمريكية في هذه الازمة العالمية من احجاف بحق شعبها والبشرية والتي قامت بتخزين النفط بعد تدني أسعاره إلى ما دون الصفر وهو أمر يحدث لأول مرة في التاريخ.

لقد اماط السيد أنطونيو غوتيريش، الأمين العام للأمم المتحدة عقب انتشار جائحة كورونا اللثام بالقول " عن أوجه عدم مساواة شديدة وعضوية داخل البلدان والمجتمعات المحلية وفيما بينها على حد سواء. وبشكل أعمّ، فهي سلطت الضوء على أوجه الهشاشة التي يُعاني العالم منها، ليس فقط في مواجهة حالة طوارئ صحية أخرى، بل في استجابتنا المتعثرة لأزمة المناخ، ولاستشراء قانون الغاب في الفضاء الإلكتروني، ولمخاطر الانتشار النووي. وأضحى الناس في كل مكان يفقدون الثقة في الهيئات والمؤسسات السياسية" ".

وعلى العالم ان يعتبر العام الحالي تجربة قاسية لتجديد النظر في مجمل السياسة الاقتصادية وهو عام الدروس والعبر الكبيرة في كل المجالات وعلى جميع الدول المتقدم منها والنامي أن تستفيد من هذه المتغيرات، حيث يواجه الاقتصاد العالمي انكماشا يمكن ملاحظته والاستفادة من التجارب الناجحة التي جعلت دول جنوب شرق آسيا اكثر الاقتصاديات تماسكا لعدم اعتمادها على سلعة النفط فقط وعلى مدى عقود كان بناء الجانب الصناعي يحظى بالأولوية، ومن هنا قامت النهضة الصناعية لدول الآسيان والتي يمتلك بعضها النفط كإندونيسيا على سبيل المثال ( ماليزيا وكوريا الجنوبية وسنغافورة وفنلندا) ليست دول بترولية و لم تعتمد عليه في الاساس انما جعلتها وسيلة لتعزيز سياسات البلد الاخرى وتثبيت وبناء المستقبل .

 

من هنا مع تواصل تجربة جائحة كورونا وصدمة أسعار النفط في انخفاض الاسعار ، إن هناك فرصة مواتية لإعادة تقييم الاقتصاد الوطني العراقي بشكل كامل كبلد مر بحروب ومعاناة ومطبات وانتكسات وغياب الاستراتجيات لغلبة الفساد على السياسة المالية والاقتصادية ، والدعوة لانتهاج أسلوب تنويع مصادر الدخل والتنوع الاقتصادي وتنقيته من الشوائب والعودة الى الدعوات التي بدأت في منذو عقود من قبل العقول الاقتصادية كدعوة للبناء الاقتصادي القوي في ايجاد مصادر مستحدثة لتطوير عجلة البناء واستمراره وديمومته في بناء المصانع المنتجة لهضم البطالة وتشغيل الايدي العاملة .

ولكن تلكؤها بسبب السياسة الخاطئة للحكومات المتعاقبة في العراق و تراجع الاداء الحكومي في تقديم الخدمات الاساسية والفساد المنتفخ بين معظم طبقات وشرائح بعض الكتل والاحزاب السياسية وذيولها المتغلغلة في وزارات ومؤسسات الدولة وعدم الاهتمام بهذا الجانب اوجدت هذه المحنة التي تعصف به من قلة الموارد المالية رغم وجود تنوع في الطاقة عنده والعجز المخطط في موازنة 2020 يقارب 50 ترليون دينار وهو الاكبر في تاريخ العجوزات المالية ويمثل قرابة 40% من حجم الموازنة العامة وقرابة 18% من الناتج المحلي الاجمالي،و موازنة العام الجاري وضعت على أساس تقديرات تتوقع بيع نحو 3.8 مليون برميل من النفط يوميا، بواقع 56 دولارا للبرميل و أن النجاح لم يتحقق مع الاستمرار في الاعتماد على سلعة النفط وخاصة في ضوء وصول الأسعار لاقل من 20 دولار في الاشهر الماضية رغم تحسنه النوعي في هذه الايام ليصل قرابة 40 دولاراً والانهيار الحاصل في الاونة الاخيرة وتتضارب التقديرات بشأن حجم الأموال التي يجب أن يحصل عليها العراق في الحد الأدنى لتغطية رواتب الموظفين أو جزء منها كقروض داخلية ودولية ، مع بعض الاحتياجات الأساسية وتزايد الازمات الانسانية وتعميق تفاقم حالة الطورائ لمكافحة وباء كورونا حيث تتواصل الخسائر البشرية ، بل وتشتد حدتها؛ وتضطر أعداد كثيرة من الناس إلى الفرار من ديارها.

* ”الاقتصاد الذي يتولد من الريع الاقتصادي المتولد من إنتاج النفط والغاز المملوك كلياً (الانتاجية والاحتياطيات) للدولة.