المهنة: سياسي
الخميس / 16 / تموز - 2020
د. سلام حربه

الإنسان منذ يوم خلق على الأرض فإنه يمتهن مهنة يجيدها ويعتقد أنها تمثله وتشكل هويته وشخصيته، تبني حاضره وتمضي به الى المستقبل، هذا طبيب وذاك مهندس والآخر محامٍ وهناك مدرس ومحاسب وسائق وعامل وفلاح وحداد ونجار ووووووو، وسياسي.. من أخطر المهن التي يمارسها الإنسان هي أن يكون سياسيا حقيقيا، الطبيب يعالج والمهندس يبني والمحامي يدافع والمدرس يعلم والآخرون يصنعون بعض لوازم الحياة، لكن السياسي يبني بلدانا ويقيم حضارة، بالامكان ان تكون طبيبا ناجحا يشار له بالبنان ولكن ان تكون سياسيا ناجحا تحتاج الى تجربة مريرة ونضال ووعي وثقافة وبصيرة وحساب للأمور العامة سياسية واجتماعية واقتصادية ليست ككل حساب وقد لا تتطابق مع نتائج الورقة والقلم. التاريخ يصنعه السياسيون الشجعان، هم يمهدون الطريق وتأتي الشعوب ماضية بما رُسم اليها وتضيف من إبداعاتها الى ما وضعه ذلك السياسي القائد. الثورات والانقلابات تحتاج الى قادة مغامرين يضعون لها ساعة الصفر، هم من يغيرون الأحوال ويرسمون للتاريخ وجهته والثورات التي تكون بلا قادة سياسيين خاصين مصيرها الفشل، السياسي المثالي صاحب الإرادة الوطنية هو مثقف عضوي، لا بل أخطر أنواع المثقفين لأن هذا يكون مسؤولا عن الحياة وكيفية صياغتها للآخرين. حين يُستحضر التاريخ تذكر أسماء معينة هم من صنعوا هذا التاريخ وحصلوا على دعم الشعب ومساعدته بالذهاب بمشوار الحياة الى نهايته. مصائر الشعوب سعاداتها وويلاتها مسؤول عنها سياسيون، إقامة الحروب والمجازر واحتلال البلدان ودفع البشرية نحو الحروب الكونية تتم بواسطة سياسيين مجانين هتلر وموسوليني وغيرهما. بابل مدينة حمورابي ونبوخذنصر، الأمويون والعباسيون يذكر معهما الخلفاء الاسلاميون، هجمات المغول هولاكو وتيمورلنك، الامبراطوريتان العثمانية والفارسية ومعهما ملوكهما، لا تذكر ماليزيا إلا ومعها مهاتير محمد ولا سنغافورة من دون لي كوان والامارات العربية المتحدة وفوقها الشيخ زايد، وكل البلدان التي تتسابق بمضمار الحياة والمستقبل. التاريخ العراقي الحديث يذكر في أول صفحاته الملك فيصل الأول ونوري السعيد والملك غازي وفيصل الثاني وعبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف وصدام حسين سواء كانوا هؤلاء من بناة البلد أم من مخربيه، ولكنهم جميعا سياسيون سواء امتلك البعض إرادة وطنية لبناء البلد او كان محملا بالأمراض والعقد والدكتاتورية، ولكنه أخذ تاريخ البلد وذهب به حيث يريد وسار الشعب وراءه بالقناعة او بالإكراه والبطش.

المراحل التاريخية يؤشرها سياسيون وهؤلاء يمتلكون كاريزما خاصة مؤثرة في وجدان شعوبهم يكونون متفردين بآرائهم ونظرتهم الى الأمور وثقافتهم موسوعية وقلوبهم لا يتسرب إليها الخوف بسهولة، ولذا فليس من حق أي شخص يتلفظ بالمصطلحات السياسية أن يقول أنا سياسي وقد يغرق في أول امتحان له بطاسة ماء.. في عراق ما بعد 2003 لم تفرز هذه المرحلة لغاية الآن سياسيا ثوريا يستطيع أن ينتشل هذا الشعب من الأزمات التي تحيق به ويضعه على سكة الأمان، ما ينقص رؤوس السلطة السياسية في البلد الإرادة الوطنية وامساك زمام المبادرة ورسم الخطوط العامة لحركة المجتمع. لقد ظهر البعض من السياسيين الذين يمتلكون وعيا سياسيا جيدا وتاريخا مشرفا ولكن هؤلاء لم تمنح لهم الفرصة وتم إقصاؤهم بكل السبل عن العملية السياسية سواء بقمع أصواتهم وبالاغتيال او فرض الهجرة عليهم او الركون الى الصمت وترك السياسة الى الأبد لأن من تصدرت المشهد السياسي أسماء جاءت الى العملية السياسية عن طريق الصدفة وضمن الانتخاب الطائفي او العرقي لها، هؤلاء لجهلهم بالسياسة، غلبوا الهويات الفرعية على الهوية الوطنية لأنهم يعملون وفق أجندات ليست وطنية واكثرهم مجندون طائفيا ومخابراتيا من قبل بلدان الجوار والدول الاجنبية ولذا فإنهم غلبوا مصالحهم الشخصية ومصالح البلدان التي يأتمرون بأمرها تاركين البلد نهبا لأطماع الغرباء وعاث فيه المخربون الفساد والدمار وتسيد فيه من قدم من أعماق العشيرة والموالي للأحزاب الدينية او رجل استثمر إرث أسرته ولا يمتلك الثقافة والوعي الحاد بحيث يستطيع ان يكون قائدا اوحدا ذا بصيرة ثاقبة وقدرة عالية على قيادة الجماهير نحو غدها الآمن. وحتى في جانب الجماهير فإن طبيعة الوضع السياسي وازمات النظام السياسي المتلاحقة والتعتيم لم تفرز قائدا جماهيريا منهم لأن الظرفين الذاتي والموضوعي لن يسمحا بظهور قائد كهذا وسط امبراطوريات سياسية ودولة عميقة ولذلك بقي المواطنون حتى يومنا هذا، بعد سبعة عشر عاما، ينتظرون ان يخرج منقذ سياسي يخطو باتجاه الاصلاح والتغيير تلتف الجماهير حوله كي تستطيع ان تقف بوجه من يمتلكون السلطة السياسية الذين أفرغوا مفهوم الدولة وجعلوا منها لا دولة وأشاعوا الفوضى وزرعوا الفساد في كل مفصل من مفاصلها.. إذن ليس كل من تكلم بالسياسة هو سياسي، هذه مهنة خاصة لا يتقنها إلا نفر من الناس يظهرون في دورات زمنية معينة يمتلكون مواصفات القيادة والجرأة ولهم سحر خاص بالاستحواذ على مشاعر الآخرين وعقولهم، السياسة أم المهن كلها، ما يحتاجه العراقيون سياسيين قادة يخلصونهم من الأميين الذين امتهنوا السياسة في غفلة من الزمن وقذفوا بحاضر المجتمع ومستقبله نحو المجهول..