قبل فوات الأوان: ما الذي تريده المرجعية العليا؟!
الأربعاء / 23 / تشرين الأول - 2019
426

المطالب العليا للمرجعية الدينية العليا

- حسين فرحان

"من جاء بالقول البليغ فناقل عنهم،  وإلا فهو منهم سارق"..

بيت من الشعر في مدح النبي وآله صلوات الله عليهم فيه ما يشير إلى أن البلاغة والفصاحة والرأي السديد صفات تعلو في ذواتهم المقدسة فلا يعلو عليها شيء نطقته الألسن بلاغة أو نضج في العقول رأيا سديدا إلا أن يكون مأخوذا عنهم أو مسروقا منهم، ولذلك أمثلة وشواهد بان فيها المهتدي بهداهم أو المجاهر بنسبة ما اختطف لنفسه دون ورع .

المعروف أن منهج أهل البيت عليهم السلام منهج رصين يعالج قضايا الأمة بحكمة عالية تستند إلى ركائز مهمة ومقومات لا يمتلكها أحد دونهم، ليتشكل بتقادم الأيام خط قيادي معصوم من الزلل إلى زمن الغيبة الكبرى وقد توارثته المرجعيات الدينية فيما بعد وهي تبذل ما بوسعها للحفاظ عليه والاجتهاد والحرص على أن لا يصدر منها من أحكام شرعية أو تدخل في شأن من الشؤون التي تهم الناس إلا ضمن هذه الأطر ووفق ما تمليه عليها مسؤوليتها في الحفاظ على أصالة هذا الخط، ولم تدخر مرجعية السيد السيستاني (دام ظله) الوسع في أن تحمل هموم المجتمع العراقي الكريم وترشده إلى ما فيه خيره وصلاحه، وقد أشارت إلى ذلك في مواطن عدة نذكر منها: أنّها (لم ولن تُداهن أحداً أو جهةً فيما يمسّ المصالح العامّة للشعب العراقيّ، وهي تراقبُ الأداء الحكوميّ وتشير الى مكامن الخلل فيه متى اقتضت الضرورةُ ذلك، وسيبقى صوتُها مع أصوات المظلومين والمحرومين من أبناء هذا الشعب أينما كانوا بلا تفريقٍ بين انتماءاتهم وطوائفهم وأعراقهم).

وكان آخر ما طالبت به هو دعوة الحكومة لتشكيل لجنة تكون مهمتها التحقيق  في ملابسات ما حدث في التظاهرات الأخيرة،  وقد أعلن عن النتائج وانهت اللجنة بذلك عملها ولسنا بصدد تقييم هذا العمل الآن بقدر ما يهمنا من الإشارة الى أن لهذه المرجعية رعاية أبوية وتوجيه وإرشاد تارة يؤخذ به وأخرى تصم عنه الآذان حين تتعرض مصالح حيتان الفساد للخطر.

ونتساءل هنا: متى نرى اللجنة الأولى التي دعت إلى تشكيلها المرجعية العليا ونوهت الى أن من المفترض تشكيلها منذ عام ٢٠١٥ ؟

ومتى يتم الأخذ بمطالب المرجعية في ٢٧ تموز ٢٠١٨ ومتى تؤخذ بعين الاعتبار؟

ومتى تتم إعادة النظر بتلك التوجيهات والوصايا والمطالب التي وردت في خطب السنوات السابقة؟

فالحكومة انتقائية وضعيفة لأنها قامت كسابقاتها بأسلوب المحاصصة .. والكتل السياسية لا تكلف نفسها التنازل عن جبروتها وطغيانها .. ومطالب المتظاهرين ينبغي أن ترتقي إلى مستوى الطموح وتتجاوز قضايا التعيينات والرواتب والخدمات وتتعدى ذلك إلى مطالب عالية المضامين تسحب البساط من تحت أقدام الأحزاب وتنهي دكتاتوريتها المؤطرة بالديمقراطية .. كل ذلك يتحقق لو تبنت الجماهير المطالب العليا للمرجعية الدينية التي وردت في مجموعة من خطبها فلم تلق الا الأذن الصماء وأهمها:

أولا - ما جاء في خطبة الجمعة بتاريخ ٤ / ٥ / ٢٠١٩ "ان المسار الانتخابي لا يؤدي الى نتائج مرضية الا مع توفر عدة شروط، منها: أن يكون القانون الانتخابي عادلاً يرعى حرمة اصوات الناخبين ولا يسمح بالالتفاف عليها" .

ثانيا - تشكيل اللجنة المقترحة في ٢٠١٥ والتي ذكرتها المرجعية في خطبتها في ٤ / ١٠ / ٢٠١٩ وهذه تفاصيلها :

١- أن تُشكّل لجنة من عددٍ من الأسماء المعروفة في الاختصاصات ذات العلاقة  من خارج قوى السلطة.

٢- أعضاء اللجنة ممن يُحضون

- بالمصداقية

- ويُعرفون بالكفاءة العالية

- والنزاهة التامّة.

٣- تُكلّف هذه اللجنة بتحديدِ الخطوات المطلوب اتخاذها في سبيل مكافحة الفساد وتحقيق الإصلاح المنشود.

٤- على أن يُسمح لأعضائها بالاطلاع على مجريات الأوضاع بصورة دقيقة.

٥-  تجتمع اللجنة مع الفعاليات المؤثرة في البلد وفي مقدمتهم ممثلو المتظاهرين في مختلف المحافظات.

٦- أن تستمع اللجنة الى مطالبهم ووجهات نظرهم.

٧- فإذا  أكملت اللُجنةُ عملها وحدّدت الخطوات المطلوبة تشريعية كانت أو تنفيذية أو قضائية  يتم العمل على تفعليها من خلال مجاريه القانونية.

٨- عمل اللجنة يتم ولو بالاستعانة بالدعم المرجعي والشعبي.

- ملاحظة: لم يتم الأخذ بهذا المقترح في حينه، والأخذُ به في هذا الوقت ربّما يكون مدخلاً مناسباً لتجاوز المحنة الراهنة.

ثالثا : العمل بمطالب المرجعية التي صدرت في  خطبة ٢٧ تموز ٢٠١٨ قبيل تشكيل حكومة عادل عبد المهدي :

خطبة ٢٧ تموز ٢٠١٨ وكانت بمثابة خارطة طريق  تضع الحلول المناسبة لهذا الواقع المرير :

" ان تتشكل الحكومة القادمة في أقرب وقتٍ ممكن على أسس صحيحة من كفاءات فاعلة ونزيهة، ويتحمل رئيس مجلس الوزراء فيها كامل المسؤولية عن اداء حكومته ويكون حازماً وقوياً ويتسم بالشجاعة الكافية في مكافحة الفساد المالي والاداري الذي هو الاساس في معظم ما يعاني منه البلد من سوء الاوضاع- ويعتبر ذلك واجبه الاول ومهمته الاساسية، ويشن حرباً لا هوادة فيها على الفاسدين وحماتهم.

وتتعهد حكومته بالعمل في ذلك وفق برنامج معدّ على أسس

علمية يتضمن اتخاذ خطوات فاعلة ومدروسة ومنها ما يأتي:

1. تبنّي مقترحات لمشاريع قوانين ترفع الى مجلس النواب تتضمن إلغاء او تعديل القوانين النافذة التي تمنح حقوقاً ومزايا لفئات معينة، يتنافى منحها مع رعاية التساوي والعدالة بين ابناء الشعب.

2. تقديم مشاريع قوانين الى مجلس النواب بغرض سدّ الثغرات القانونية التي تستغل من قبل الفاسدين لتحقيق اغراضهم، ومنح هيئة النزاهة والسلطات الرقابية الاخرى اختيارات اوسع في مكافحة الفساد والوقوف بوجه الفاسدين.

3. تطبيق ضوابط صارمة في اختيار الوزراء وسائر التعيينات الحكومية ولاسيما للمناصب العليا والدرجات الخاصة بحيث يمنع عنها غير ذوي الاختصاص والمتهمون بالفساد ومن يمارسون التمييز بين المواطنين بحسب انتماءاتهم المذهبية او السياسية ومن يستغلون المواقع الحكومية لصالح انفسهم أو أقربائهم او احزابهم ونحو ذلك.

4. الإيعاز الى ديوان الرقابة المالية بضرورة إنهاء التدقيق في الحسابات الختامية للميزانيات العامة في السنوات الماضية وجميع العقود والتخصيصات المالية للأعوام السابقة على مستوى كل وزارة ومحافظة، وضرورة الاعلان عن نتائج التدقيق بشفافية عالية لكشف المتلاعبين بالأموال العامة والمستحوذين عليها تمهيداً لمحاسبة المقصرين وتقديم الفاسدين للعدالة.

وعلى مجلس النواب القادم ان يتعاطى بجدية مع جميع الخطوات الاصلاحية ويقرّ القوانين اللازمة لذلك.

وان تنصلت الحكومة عن العمل بما تتعهد به أو تعطل الامر في مجلس النواب أو لدى السلطة القضائية فلا يبقى أمام الشعب الا تطوير اساليبه الاحتجاجية السلمية لفرض ارادته على المسؤولين مدعوماً في ذلك من قبل كل القوى الخيّرة في البلد.

وعندئذ سيكون للمشهد وجهٌ آخر مختلفٌ عما هو اليوم عليه.

ولكن نتمنى أن لا تدعو الحاجة الى ذلك ويغلب العقل والمنطق ومصلحة البلد عند من هم في مواقع المسؤولية وبيدهم القرار ليتداركوا الامر قبل فوات الاوان، والله المسدد للصواب".