الخميس 16 شوّال 1445هـ 25 أبريل 2024
موقع كلمة الإخباري
مجلس رمضاني وذكريات حوزوية
السيد صلاح الحلو
مجلس رمضاني وذكريات حوزوية
2024 / 03 / 25
0

بالأمس كنتُ مدعُوَاً إلى فطورٍ رمضانيٍّ في بعض الأماكن، وكان جملة الحضور من أهل العلم، وفيهم استاذٌ محترمٌ من أساتذة حوزة النَّجف الأشرف الموقَّرين، سررتُ برؤيته وشرفت بمعرفته عيانا بعد أن عرفته سماعا.

كم أُحبُّ هذه المجالس وافتقدها، وأظنَّني صنعتُ شيئاً ما شكرني الله عليه بأن جعلني من جملة حضَّار هذا المجلس الذي تزيَّن بزينةٍ الكواكب من طلبة العلم والبدر الذي جلس بينهم.

أما كاتب السطور فهو بين هذه النُّجوم المتلألئة كالحجارة والنيازك والكِسف المتساقط من السَّماء.

كان الكلام همسَاً، لا مقاطعة حديثٍ فيه ولا ثرثرة،

وحتى المزاح الذي كان قليلاً لإدخال السرور على المؤمنين فهو كالملح في الطَّعام،

وأُثيرت عدَّة أسئلةٍ أجاب عنها ذلك السيد المحترم، وإن فاتني فهم بعض ما أُجيب عنه فلم يفتني التأثُّر نفسيَّاً بذلك المجلس الموقَّر.

ولقد ذكر لي من قبل بعض طلبة العلم أنه يعرض تقريراً فقهياً كتبه لبعض دروس أساتذته في الفقه، والسيد الأستاذ يُناقشه فيه: لِم قُلتَ كذا ولِمَ لَمْ تُقل كذا، ورجوتُهُ غير مرَّةٍ أن يأخذني معه إلى تلك الجلسة ووعدني خيراً ولعلَّ ظرفاً  قاهراً حان دون الوفاء بعهده، فلعمري عهدي به أنَّه ممن يفي بالعهود.

وضعتُ بالأمس رأسي على الوسادة، وفكَّرتُ في أيام كنتُ فيها طالِباً للعلم، ثم عضضتُ اصبع الندم على تركي الطلَب، ما كان عليَّ لو صبرتُ على شظف العيش قليلا؟

وهبني صبرتُ، كيف لمن معي بالصبر وهو لا يعرف معنى طلب العلم، وأن الملئكة تبسط أجنحتها لخطوات طالبه؟

ثم لم يكن الظرف مساعِداً - هكذا كنتُ أُحدّثُ نفسي - أنسيتَ يوم دخلت  امتحان المنطق بغير قراءةٍ لأنَّك لم تكن تملك الكتاب؟

وفي بعض الامتحانات جئت من تكريت - وكنت في الجيش - إلى جامع الهنديّ مباشرةً وكنت مهطع الرأس خجلاً من نفسِك لأنَّك كنت حليق اللحية بحكم كونك عسكرياً، تخشى أن يراك بعض أساتذتك أو زملاؤك بهذه الصورة المهينة؟ ولم تكن على موعدٍ مع الكتاب لأنَّك كنت في الخدمة فلم تقرأ؟

ثم أرجع إلى نفسي وأقول: هذا ليس تبريراً، أنت مسلوب التوفيق، ولو وجد الله فيك خيراً لاختارك لهذا السِّلك.

ثم أضحك مع نفسي وأقول: الحمد لله لم أكن من طلبة العِلم، وإلَّا كنتُ حُجَّة لأعداء المذهب عليه، وإلَّا أين يوجد طالبٌ مرةً في ثكنة العسكر، وأخرى في حلقة الدَّرس، وطوراً حليق اللحية وحيناً خفيف العارضين؟

آهٍ لو يجعل الله تعالى للإنسان حياةً ثانيةً كما كانت لأبي القاسم الطنبوريِّ صاحب الحذاءِ في حكايات الخرافة،

 أو يكتب له عمراً آخر كما في النَّبي عزيرٍ صاحب الحمار في قصص الواقع، قسماً بالله لن أختار غير الحوزة سبيلا، فما زال في النَّفس شئٌ منها وأيُّ شئ..

ولقد دعوت الله أن يجعل ابني الأصغر طالب حوزة، يخدم المذهب وإمام المذهب، وأنا لم أزل أعيش هذا الأمل الذي يُخفف كثيراً من أوار الحزن المشتعل في القلب، ويمسح دموع الأسى المقيمة في المآق، ولله الأمر من قبل ومن بعد، فلقد اشتريتُ مكتبةً ادَّخرتُها له حتى لا يحتاج إلى كتابٍ من بعد كما احتجتُ إليه من قبل، وحتى لا يضيع وقته في البحث عن المصادر في الغد كما ضاع وقتي في البحث عنها بالأمس.

يلومني كثيرٌ من النَّاس لم تشترِ الكتبَ، وهل تحتجها فعلاً؟ وهل قرأتَها جميعا؟

هم لا يدرون أنني ابني مشروع عمري، وأريد أن أخدم صاحب الأمر عليه السلام وأضع يداً في هذا الصرح المعظَّم "حوزة النَّجف الأشرف" بزرع بذرةٍ واعدة بعد أن كنتُ شجرةً مجدبة، وأن يكون ولدي عمري الثاني الذي أضعته بعدم الصبر وقلَّة التوفيق.

التعليقات