الاثنين 18 ذو القِعدة 1445هـ 27 مايو 2024
موقع كلمة الإخباري
وقف العدوان أوّلاً
نادية حرحش
وقف العدوان أوّلاً
2023 / 11 / 05
0

منذ اندلاع الأحداث قبل خمس أسابيع، كتبت انّ ما كان قبل ٧ تشرين الأول لن يكون كما بعده من حيث عدد الضحايا والدمار الذي قد يحصد عشرات الالاف من الأرواح، ومن حيث دور حماس كلاعب سياسي مركزي في المشهد الفلسطيني.

لا يحتاج توقّع الكثير من الدمار والقتل الى تنبؤ أو بعد نظر، فغزة تشكل ساحة استعراض وتدريب وتفريغ لمدرعات وآليات وجيش “القوة التي لا تهزم”. ربما لم نتوقع هذا القدر من الدمار والقتل، ولم يتوقع أحد انّ إسرائيل لن تهتم لمدنييها وجنودها من الرهائن بهذا القدر. ربّما لم نتوقع الموقف الأمريكي والبريطاني والبعض الاوروبي والعربي المنحاز والمزدوج المعايير بهذا القدر.

ربما لأننا شعب معتاد على التضحية والدمار والقتل، ظننا ان خسائر إسرائيل البشرية والمادية ستقاس بخسائرنا على مدار ثمانية عقود فتتعظ إسرائيل ويتعظ العالم.

ولكن الأمر لم يكن بهذه السهولة. ما حصل في السابع من تشرين الأول ضرب بقوة على العرق الأبيض الذي يعتقد جازماً، ويصدّق، بل يؤمن بفوقيّته وأهمّيته وتفوّقه علينا. هناك بالفعل نوعان من البشر بالنسبة لهم: “نحن” و”هم” وبيننا ليس فقط اختلافات ثقافيّة واجتماعية ودينيّة وعرقيّة، وإنّما اختلافات الإنسانيّة بدرجاتها بالنسبة لهم. نحن لسنا على نفس الدرجة من الإنسانيّة. هم لا يروننا بشراً مثلهم. رأينا هذا في حرب روسيا واكرانيا في ازدواجية في التعامل مع اللاجئين السوريين والعرب مقابل الأوكرانيين. ونرى كيف يبكي الغرب حرقة وألماً وجرحاً لا يمكن ضمده على الضحايا الإسرائيليين في ٧ تشرين الأول، بينما ضحايا ما بعد ذلك التاريخ من فلسطينيين لا يشكّلون إلّا حطباً لنيران حنقهم وكراهيّتهم وحقدهم، والتي لا يريدون الا المزيد من إشعالها.

نحن أمام حرب عرقيّة جديدة، هذه المرّة سداسيّة الشعار لا صليبيّة.

من السهل إعلان إسرائيل حربها الدينية التوراتية واستخدام الكثير من الآيات والأوامر الإلهية والوعود لتبرير القتل والدمار والمزيد منه، فالمسيحية الصهيونية في ظهرها مساندة بإيمان مطلق. مرعب التفكير أن هناك من يعتقد بهذه الأمور حقيقة. فنحن نعيشها منذ تولّي الحكومة الإسرائيلية الأخيرة زمام الحكم. ولم يتبقّ أمامهم الّا تربية البقرات الحمر التي جلبوها مؤخراً لتقديمها أضحية للهيكل المراد بناؤه مكان المسجد الأقصى.

إسرائيل تنتهز فرصة الوجع والقهر التي يشعر بها شعبها الذي ضربت كتائب القسّام مكامن أمنه وسباته وشعوره بالقوة والتّفوّق من ناحية، وشعور تفوّق الغرب في عرقه المتحضّر أمام الشّرق المتخلّف المتوحّش.

بالنسبة لهذا العالم لا يوجد ما هو قبل السابع من تشرين الأوّل. هذه لحظة خادشة للجبروت والعنصريّة وتفوّق العرق، يجب جمع كرامتهم التي تم بعثرتها وإعلاء العصبيّة الغربيّة مهما كلّف ذلك من دم فلسطيني وبعض الدّم اليهودي.

لهذا، استخدمت إسرائيل شعاراً واحداِ شحنت فيه شعبها والعالم: القضاء على حماس ومسحها عن الخارطة. هم يستطيعون فعل هذا وفعلوه من قبل وها نرى كيف يفعلونه اليوم. بالنسبة لهم كل فلسطيني يقتل هو إنجاز. وهذه المرّة عطش الشعب الإسرائيلي للمزيد من الدّم لا يرويه الا المزيد من الدم. ما نعيشه منذ خمس أسابيع لا يحتاج للوصف ولا للشرح. دمار وقتل يراد منه إبادة جماعيّة.

إذا ما كانت كتائب القسام قد تفوّقت عسكريّاَ في اليوم الأول عندما داهمت ايريز ومواقع ما يسمى بغلاف غزة، فهي تتفوق حتى هذه الساعة بإقدامها، واستعدادها ومثابرتها وثباتها. فما نراه حرب ضروس وكأنّها حرب عالميّة مكوّنة من إسرائيل وأمريكا وبريطانيا وبعض دول أوروبا والعرب  من منطلق الرهان على نجاح إسرائيل في تحقيق مراميها. والمشهد أقرب الى ان يكون سريالياَ او قادماً من أساطير الماضي البعيد. كيف يمكن لفئة محدودة الإمكانيات وبظروف شبه مستحيلة وسط حصار ما يقرب من عقدين وحرب تلو الحرب ان تكون بهذا الاستعداد وهذه الإمكانيات والكفاءة؟ لقد قلب الشعب الفلسطيني كل الموازين المألوفة وسطر فقرة جديدة لكتب التاريخ الحديث.

ما نقرأ عنه ونسمعه من تصريحات أمريكية وإسرائيلية يؤكد بالمقابل أن لا خطة ولا أفق لهم الّا المزيد من القتل والمزيد من الدّمار. كل السيناريوهات المطروحة تؤكد انّ لا أفق ولا فهم لما يجري. أو بالأحرى لا يريدون الّا أن يروا ما يريدونه عن هذا الشعب. لا تزال إسرائيل وأمريكا تعتمدان على فهمهما وتحليلهما للشعب الفلسطيني من خلال أجهزة استخباراتهما التي غرقت مصادرها الإقليمية والدولية بالفساد المطلق، وقررتا انّ الانسان الفلسطيني هو الانسان الذي يمكن شراؤه بتصريح وتأمين عمل وإغراقه بتفاهات الحياة. المعلومات المعتمدة لديهما عن هذا الشعب مصدرها العملاء والفاسدون.  حتى هذه اللحظة هناك رفض لرؤية حقيقة ما يجري في غزة من مقاومة وإصرار. ويتمحور الأمر حول حماس. وكأنّه باقتلاع حماس يتشكّل الفلسطيني حسب الطّلب.

حتى هذه اللحظة هناك رفض للتّعامل مع حقيقة انّ السلطة الفلسطينية لم تعد لها أي مكانة. وبالرغم من ذلك هناك تخوّف في إسرائيل من انهيارها كما يشي بذلك ما رشح من أقوال مسؤولين إسرائيليين عن محاذير الاستمرار في حجز أموال السلطة.

أمريكا بكل وقاحة تعلن شكل القيادة في غزّة بلا حماس، ولا يفهمون ان كل الشعب اليوم تحول الى حماس حتى ولو أعلننا جميعا على الملأ ان حماس إرهابية وقمعية ووحشية. حماس كسبت المعركة السياسية والشعبية بالتأكيد.

لا يريدون الإقرار بأن الشعب الفلسطيني في كل مكان بات ينتظر خطاب أبو عبيدة وكأنه ينتظر موعد الآذان بالإفطار. لا يريدون فهم انّ الظّلم ظلمات لا بدّ ان تطغى على الظالم.

ما نراه اليوم هو تخبط أرعن من قبل أمريكا وإسرائيل لا يهدف الا للمزيد من القتل والدمار لأن هذا كل ما يستطيعون القيام به ويريدون القيام به. من الواضح أن الأمر يتجاوز حماس، وحتى إذا ما تم التخلص من كل القيادات العسكريّة سيخرج قادة آخرون أقوى وأكثر إصراراً. هم لا يريدون فهم حجم الدمار والقتل الذي الحقوه على أهل غزة على مدار عقود من الحصار والقتل والدمار. لا يريدون فهم معنى ان تقاتل من ينتظر الموت لأنه أكثر رحمة من حياة قاسية ظالمة تنعدم منها الرحمة.

إصرار إسرائيل وأمريكا على عدم إيقاف العدوان ومراهنتهم على استبدال سهل للسلطة يظهر ضعفهم وعجزهم في كل يوم امام قوة وعزيمة الشعب المقاوم في غزة.

ومع ارتفاع الثمن بخسارة المزيد من الأرواح، ترتفع قيمة حماس السياسية وتهوي مكانة السلطة الفلسطينية إلى الهاوية أكثر.

انّ الانتصار السياسي كنتيجة نهائية يحتاج الى جهد حقيقي. أصوات الناس الداعمة باتجاه ما لا يعني ثباته. فان من يأكل العصي ليس كمن يعدّها. وان كان للمتفرج دور بتخفيف تلك العصي فهو دورنا، لأن تحمّل الانسان لا يعني عدم ألمه وتحطيمه. لا يعني انّ هذا الإنسان يستطيع ان يتحمّل أكثر. ولا يمكن الاستمرار بالتسليم بمقولة أن أهل غزة يستطيعون التّحمل ومتعوّدون على هذه الحياة. فهذا ظلم أكبر وأشدّ قهراً.

التغير المنشود في معادلة الواقع الميداني قد حدث، ولكن الانتصار للشعب في غزة هو واجبنا، وواجبنا يبدأ بعدم التوقع أكثر من الإمكانيات الحقيقية. الدعوة الحقيقية لوقف إطلاق النار يجب ان يكون هو الهدف الأول.

فالانتصار الحقيقي هو الانتصار للشعب في وحدة غابت ففككتنا. أقول من جديد، ان حماس تستطيع اليوم ان تجمع ما فرّقه الانقسام بدعوتها لتوحيد الصّف الفلسطيني بالانضمام وباقي الأحزاب والفصائل الفلسطينية الى منظمة التحرير الفلسطينية لتكون البيت الجامع الحقيقي للشعب الفلسطيني. ولا أقبل القول أن إسرائيل لن تقبل، فهذا ليس شأن إسرائيل. نحتاج ان يقبل الفلسطينيون أولا بفكرة المصالحة وان يفهموا ان لا قيمة لنا ولن تقوم لنا قائمة ونحن شعب منقسم بين فصيلين.

إذا ما استحقّت هذه التضحية شيئاَ، فهو انتصارنا لوحدة لا ينبغي أن تنتظر أكثر لتتحقق.

التعليقات