حلل عيني حلل
الأحد / 17 / تموز - 2022
د. علاء هادي الحطاب

في بَلد غير مستقر سياسياً واقتصادياً وأمنياً وحتى اجتماعياً، في بلد تتوالد فيه الظواهر كل يوم، في بلد امتاز بالأزمات والمشكلات على مدار الساعة، ليس اليوم فحسب بل منذ تأسيس دولته، إذ لم يعرف العراق الاستقرار السياسي بمعناه الحقيقي منذ تأسيس دولته حتى يومنا هذا، إلا في فترات قصيرة ومحدودة جدا. 

هكذا نوع من البلدان حتماً بحاجة ماسة من قبل مختصين لدراسة أوضاعه وأحواله ومجريات الأمور فيه، ماضيها وحاضرها لاستشراف مستقبله الذي يلفه الغموض دائماً، وتتم هذه الدراسة عادة من قبل متخصصين في مجالات متعددة كالسياسة والاقتصاد والأمن والاجتماع، كل شخص في مجال اختصاصه يقرأ الأحداث ومجريات الأزمات ويقدم تحليلاته المبنية على أسس ومبادئ ووظائف ومنهجيات التحليل السياسي لإرشاد عامة الناس والطبقة السياسية بقراءة واقعية للأحداث والمواقف المراد دراستها. 

تزداد الحاجة إلى المحلل السياسي كلما ازداد تراجع الاستقرار السياسي، ومؤشرات عدم الاستقرار السياسي كثيرة ربما واحدة منها هو عدم إكمال الحكومات التنفيذية لمددها الدستورية التي وضعها القانون، عندها تبرز الحاجة بشكل كبير إلى مختصين يقفون على أسباب عدم الاستقرار ويقدمون مجموعة تصورات للحلول مبينة على أسس أكاديمية أو وفق تجارب علمية لدول مشابهة أخرى أثبتت نجاحها. 

ولأن أغلب مسارات الأشياء في العراق تعمل بالمقلوب من دون ضوابط وآليات ومنهجيات باتت مهنة التحليل السياسي اليوم “مهنة من لا مهنة له “ إذ باتت طريقة استرزاق لكثير من الأفراد من دون أية مقدمات و مقومات علمية أو أكاديمية أو صحفية أو ثقافية أو فكرية تؤهلهم لأداء هذه المهمة، وبتنا نشاهد يوميا عشرات المحللين السياسيين الذين يظهرون في وسائل الإعلام ويحللون المشهد السياسي وهم لا يمتلكون أياً من أدوات التحليل السياسي أو حتى الفهم البسيط للسياسة فكراً ونظاماً وممارسة، بل أن بعضهم يجهل حتى التفريق بين الدولة والحكومة والسلطة والقانون والحزب والمنظمة على سبيل المثال لا الحصر. 

الأكثر من هذا بات بعض المحللين المتصدرين للظهور الإعلامي هم بالحقيقة واجهات لأحزاب وتيارات وجماعات سياسية يتحدثون باسمهم ويرددون مواقفهم من دون أن يقدموا لنا قراءة للمشهد السياسي، بعض هؤلاء بات معروفاً في تطرفه لصالح الجهة التي يدافع عنها أكثر من أعضاء وقيادات الجهة ذاتها “ ملكي أكثر من الملك”، حتى أن الأمر بات سهلاً لكل منا معرفة سلفاً ما سيتحدث المحلل سين أو صاد  وبأي تجاه يمضي، وأصبح الصراخ والتجاوز بالألفاظ فيما بينهم سمة تتميز بها عدد من البرامج الحوارية التي تستضيفهم على الأغلب من أجل ذلك لا أكثر. 

بالمقابل انزوى جانباً المحلل السياسي الأكاديمي الذي يزن المشهد السياسي بقراءة منهجية قائمة على العلمية والمقاربات الأكاديمية من دون الميل هنا أو هناك، ودون أن يتصدى للدفاع أو الهجوم نيابة عن القوى السياسية المتصارعة فيما بينها، بل يترك للجمهور استجلاء طبيعة المواقف ودوافعها ويحكم على تلك المواقف وفق قناعته من عدمها بالطرح الذي قدمه هذا المحلل السياسي. 

أعرف أن كثيراً من أصدقائي سيزعلون بسبب هذه الكلمات وهي دعوة مخلصة لهم لمنهجة أدائهم في التحليل السياسي بعيداً عن الاصطفاف السياسي نيابة عن هذا الحزب أو ذاك.