ذراع التنين الصيني في العراق
الأحد / 03 / تموز - 2022
سناء الوادي
رائحة البخور والتوابل تعبق بالأرجاء، وصوت نعال الجمال تسمع في كل شبر من هذا المكان، قوافل الحرير المنسوج والأحجار الكريمة، رسمت طريقاً للحضارة قبل ألفي عام وصل الشرق الصيني بالغرب الآسيوي، ليغدو أحد أكبر رموز العلاقة الاجتماعية بين الشعوب، وليشكل الوجه الأول للعولمة، مجذراً أصول التجارة والتبادل التجاري بين الدول.
 
إنّه طريق الحرير الذي ظهر في عهد القائد – ليو بانغ– حين حكمت الصين أسرة هان في القرن الثاني قبل الميلاد وبلغت حينها أوج عهدها الذهبي.
طريق الحضارة في التاريخ القديم ينهض من جديد، وينفض عنه غبار الزمن ليصبح اليوم طريق الأمل لكثير من الدول، والذي أحياه هو الرئيس الصيني – شي جين بينغ – عام 2014 بمبادرة الحزام، والطريق التي أعلن عنها وانضمت لها مايقارب 70 دولة.
الصين الطامحة اليوم لقيادة العالم اقتصاديا تدعو الدول الواقعة على طريق الحرير سابقاً أو القريبة منه، لتكون جزءا حيويا فيه.
هل سيلتحق العراق بركب هذا الطريق، خاصةً بعد الاهتمام اللافت، الذي أبدته الصين عام 2013 بميناء الفاو المتمركز على كتف مدينة البصرة، لتكمل الطريق بعد الميناء سكك حديد تصل إلى تركيا فأوروبا.
بدأت حكاية هذا الميناء في 26 / تشرين الثاني/ 2014 حين أعلنت وزارة النقل العراقية عن البدء بإنشاء الميناء، وأبدى العراق حينها حماسها الكبير للانضمام للطريق، فأبرم عقوداً مع شركة دايو الكورية لبناء كاسر الأمواج في الجهة الغربية، ومع شركة يونانية لبناء كاسر أمواج الجهة الشرقية، لتضع شركة إيطالية تصميمات الميناء على أن يصبح واحداً من أكبر الموانئ المطلة على الخليج العربي، والعاشر على مستوى العالم ويتفرّد باستقبال السفن الكبيرة ذات الحمولة الثقيلة، التي تجعله نقطة استقطاب تنافس قناة السويس وباب المندب، وعلى أساس ذلك فقد تتغير الخارطة البحرية لنقل البضائع في العالم، وسيكون منفذاً عالمياً للعراق ينشطه اقتصادياً وسياحياً وتجارياً.
ليتوقف المشروع لاحقاً بعد مقتل مدير الشركة الكورية دايو في ظروف غامضة، البعض يرى في ذلك أيادي أميركا الخفية، التي تسعى جاهدة لإيقاف مشروع الميناء ووضع العراقيل في وجه طموح الصين 
العالمي.
ولكن ما لبث أن قام رئيس الوزراء السابق عادل عبد المهدي الذي تسلم السلطة في عام  2018 بإبرام معاهدة مع الصين لإعمار البنى التحتية في العراق مقابل النفط، ومنها إتمام ميناء الفاو كجزء من طريق الحرير ببناء 350 رصيفاً فيه وإنشاء مدينة كبيرة بـ 100 ألف وحدة سكنية ومطارات ومصانع، حيث وصف بالمشروع العملاق الذي سينتشله من أزمات الفقر والجوع والدمار.
 عبد المهدي الذي غادر كرسيه بعد عشرة أشهر فقط من تسلم السلطة، بعد تظاهرات عارمة في البلاد احتجاجاً على الوضع المعيشي السيئ حينها، ما أبقى مشروع الميناء معلقاً ولا تقدم يذكر فيه.
وبعد الأخذ والرد في موضوع المبادرة وانضمام العراق لها أو لا.
لننمعن النظر قليلا بالحالة الاقتصادية العراقية منذ ستينات القرن الماضي، فهو بلد ريعي بالكامل فهو يستورد أكثر من 99 % من السلع المختلفة، ويعتمد فقط على ارتفاع الصادرات النفطية، ما أدى لتوقف قطاعات مهمة ترفد الخزينة وتدعمها بإيرادات كبيرة كقطاع الصناعة والزراعة والتعدين، لتكون لوزارة النفط الحصة الأكبر من الموازنة السنوية، هذا الاعتماد الكلي على النفط يجعل العراق عرضةً للتأثر السريع بالأزمات العالمية، ويعاني منها بشكل كبير في جميع المجالات الحياتية.
إن العلاج الاقتصادي لأزماته بحاجة الى قرارات حازمة تنظر لمستقبل العراق، فإما أن يكون في مصافي الدول المتقدمة، مستفيداً من موقعه الجغرافي المميز ليبدأ بتنمية اقتصادية حقيقية، تنهي مشكلات البطالة والهجرة لأبنائه، ويستقطب الاستثمارات الخارجية ليأخذ دوره الإقليمي الفاعل والمركزي في الشرق الأوسط، وإما أن يندثر هذا الموضوع في طيات الزمن ويبقى العراق يصارع الطامعين داخلاً وخارجاً.
إنّ تعرض هذه الرؤية الصينية للانتقاد من البعض حول ما إذا كانت الصين ستُغرق العراق أكثر فأكثر في ديون واتفاقيات تكبل مستقبله وتسلب مقدراته، فإن النظرة الاقتصادية لهكذا مشروع بعد توقعاتٍ بأن يدرّ مرور طريق الحرير عبر ميناء الفاو بعد اكتماله 700 مليار سنوياً مغامرة تستحق الخوض فيها، فالميناء يعبر عن شراكة اقتصادية بين دولتين تجمعهما مصالح مشتركة، والعراق في الوقت الحالي بحاجة لشريك وداعم قوي كالصين، قد يضع حدّاً للتغول الأميركي ويوقف استغلال أميركا للنفط العرافي.
كل الجهات السياسية العراقية تتحمل مسؤولية التأخير في إنشاء هذا المشروع الحيوي، لننظر إلى الموضوع نظرة أمل وتفاؤل، ونبتعد عن سوء النيّة فإن سياسة الصين تختلف عن سياسة الغرب في الهيمنة على مقدرات البلاد، فهي تحاول أن تعزز نفوذها في العالم بتكوين صداقات وشراكات ومصالح متبادلة، وهي بحاجة لإيجاد موطئ قدم لها في الشرق الأوسط.
إنّ كم الفائدة التي تعود على الطرفين الصيني والعراقي، يجعل من العراق طرفاً نِديّاً للصين مما يمكنه الاستعانة بشركات صينية لإنجاز مشروع الميناء بوقت قياسي، وفرض بنوده الخاصة، من حيث تشغيل اليد العاملة والعوائد الاقتصادية، بما يتناسب مع التطلعات المستقبلية.