رمضان والبرامج السياسيَّة
الخميس / 22 / نيسان - 2021
د. فاضل حسين البدراني

لم يكن المواطن يعرف للسياسة معنى ولا وجود لكونها مسؤولية أصحابها، التي لا تخرج عن نطاق المكاتب الفخمة والفارهة الخاصة بهم، هذه أبرز سمات العقود الماضية، في بلدان العالم العربي والمنطقة عامة، ومنها العراق.

ومن المعلوم أن لشهر رمضان عند الناس، قدسية ونكهة مميزة بطقوس دينية واجتماعية، إذ إن مفردات حياتهم تتجدد في شهر رمضان سنويا، تعكسها أجهزة التلفاز، والاذاعات والمحاضرات والفعاليات الاتصالية المباشرة، وأكثر ما كان يشغل الأسرة سابقا، المسلسلات الدينية والاجتماعية التي تنقل قصص الناس، وزوايا تتعلق بحياتهم اليومية وانماطها الاجتماعية، ومنها قصص الحب والشباب والمشاعر والمستقبل والجامعة، وأخريات عن المافيات والعصابات، إذ يستحضر الجانب المخيالي والقصصي فيها، بما يعكس صورة الواقع المجتمعي، في المناطق الحضرية والبداوة. 

أما في الوقت الحاضر، فتعالوا لنحاكم طبيعة الحياة وننقد صورتها، وفي بلادنا فأن شهر رمضان بالنهار هو للصيام والعبادة، وبالليل ولا اتحدث عن بعض المهتمين بالعبادات الحقيقية، انما كثير من الناس، وفي ظروف الحظر الصحي والتباعد الاجتماعي، فإنها تقع ضحية برامج الفضائيات التي تشكل نسبة عالية من أوقات الليل، وتتضمن مقابلات مع سياسيين وبرلمانيين، يتحدثون باجتهادات وفتاوى ودعاوى سياسية، ومناكفات وأساليب في الغمز والتنمر ضد بعضهم بعض، وبالمحصلة فان لغة التسقيط هي الفاعل الأساس في جو البرامج الحوارية، ذلك يجعل المتابع والمختص بشؤون التربية الإعلامية في ممارسة مسؤولياته بمقاربة تحليل النص، وفك تشفير هذه الفلسفة الإعلامية المغمسة بطعم السياسة، التي تنتهجها عديد الفضائيات، بأن المواطن والأسرة والمجتمع لم تعد من مسؤوليتها القيمية، بقدر ما هو حدوث تحول في منهجية المحطات الفضائية، الى معول هدم لآخر القلاع الفكرية الحصينة، التي تتضمن قيم وعادات لتذوب في نفاق السياسة، هذه المسؤولية سقطت أمام أول إغراء في الحصول على الانتشار والسمعة في "كار الإعلام الرأسمالي" .

لقد تحول شهر رمضان ذهنيا الى شهر التباهي بالبرامج الحوارية للمسؤولين والسياسيين في الفضائيات الذين طغى وجودهم على شخصية عادل أمام، وفاتن حمامة، أيام زمان وبقية زملاء الفن من الكبار، وتلاشى عصر النخب الصانعة للفكر والوعي والرأي العام الحقيقي.

انتهت نكهة رمضان في التلفاز، وأفقدتها السياسة والمال عذوبتها، وروحانيتها الدينية وصفاء النفوس، وأصبح طعمها من طعم السياسة، ونفاق المال، أنه شهر المبارزة الكلامية بين المسؤولين، وميدانهم الفضائيات، وكثير منهم، يتحدث بما لا يليق بالآخر من وصف، فيتلقى رد الآخر على الوزن والقافية نفسه، وقد يزيد، فمتى سينتهي هذا العصر الاستثناء؟