من يصنع التغيير في الانتخابات القادمة؟
الأثنين / 04 / كانون الثاني - 2021
ابراهيم العبادي

لا شيء يهدد النظام السياسي في العراق اكثر من جموده وتصلبه وفشله في تغيير نفسه من الداخل. فليس اخطر على النظم السياسية من فقدانها لشرعية التمثيل بسبب خسارتها لثقة الجمهور الواسع. فمنذ سنوات والرغبة عارمة في العراق لاصلاح النظام السياسي وتحسين ادائه، بعدما جمد عقل القوى المشاركة فيه، عن اجتراح حلول كبيرة لازماته المتفاقمة، بما دفع الجمهور المحبط الى الخروج بتظاهرات مطلبية واحتجاجية كبيرة، كانت بمثابة استفتاء كبير على شرعية النظام ووصوله الى نهايات مسدودة .

كان الخوف على اشده من انفجار عنف كبير تختلط فيه الامور، ويصبح عسيرا تفكيك عناصر الالتباس فيه، فثمة قوى عديدة تتربص بالنظام وتفكر بإسقاطه، وهي قوى معادية لأصل التغيير الذي حصل في عام 2003، لكن قوى جديدة التحقت بالراغبين في سقوط النظام، وهي قوى مستفيدة من التغيير ابتداء، لكنها وصلت الى قناعة بان النظام يعاني شللا وعجزاً في ادارة الملفات الكبيرة والصعبة، وان المستفيدين من بقاء نظام اللادولة، يعملون على بناء دول عميقة وموازية بمعاذير وشعارات متعددة، وصولا الى ابتلاع الدولة وقضم مؤسساتها وقرارها .

ولأن الاصلاح المنشود لم يتحقق، فلا يبقى غير البحث في الخيارات الاخيرة وهي خيارات عنيفة وانقلابية تستهدف تغيير النظام السياسي، غير انها ظلت مجرد افكار وتمنيات واطروحات نظرية.

ما يحول بين هذه الافكار (المتطرفة) وبين تحققها، ليس في انعدام الجرأة لدى متبنيها وفقدانهم عناصر المبادرة فحسب، بل لان بديل التغيير العنيف، هو الفوضى وانقسام البلاد وربما الحرب الاهلية، بسبب هشاشة بنى الدولة والمجتمع، ولان التفكير الجمعي لم يغادر منطق المكونات والهويات الفرعية، ولم يدخل مرحلة الوعي بمصالح الجماعة - الامة .

رغم ازدحام شعارات الاصلاح ومطالبات التغيير التي تتحدث بها شخصيات وزعامات عراقية عديدة، مستفيدة من مطالبات الشارع ومسايرة له، بيد ان مشروعا واضحا يشخص مشكلات الدولة والمجتمع، ويرسم خارطة طريق واضحة للسير باتجاه الحل، لم يدخل في البازار السياسي العراقي، وهذا أمر يبعث على التسأول عن اسباب هذا الضمور وانعدام المبادرة والابتكار وقلة الحيلة.

تحدثت في مقالات سابقة عن (نظريات) طُرحت لادارة الدولة، يظن اصحابها انها كفيلة بالانطلاق نحو الحل الضروري لأزمة الدولة والمجتمع، لكن هذه النظريات لم تجد من يتبناها من القوى السياسية التي تطمح للحصول على تفويض الامة في الانتخابات القادمة، ومازلنا نسمع عن ولادة احزاب وتجمعات سياسية جديدة استعدادا للمشاركة في الانتخابات، مضافاً الى الاحزاب والقوى التي شاركت وتشارك في السلطة، هذه الاحزاب الجديدة تراهن على (فكرة )التغيير أو (التجديد) في الوجوه، غير ان الاهم من الوجوه الجديدة، هو الافكار والمشروع الجديد، فمجيء عشرة أو عشرين نائبا من حملة فكر التغيير لن يكون ذا جدوى عملية، ولن يكون رقما مؤثرا في سياقات التغيير، فضلا عن ان المنافسة الشرسة والاستقتال على البقاء قيد الحضور البرلماني، سيكون احد الموانع لوصول قوى تغيير حقيقية بغياب حماس ومشاركة شعبية واسعة، وهذه الاخيرة تتوقف على الثقة بإجراء انتخابات نزيهة ومراقبة جيدا ووجود برامج جادة وشخصيات قادرة على اختراق المواقع المحجوزة للاحزاب، هذا ما تذهب اليه استطلاعات الرأي المبكرة، وعليه لا بد من تصميم (ستراتيجية) انتخابية يتوافق فيها شعار التجديد والتغيير والاصلاح من شمال العراق الى جنوبه، فالجيل الذي سينتخب يحتاج الى خطاب جديد يقنعه بالمشاركة، ويحفز لديه ارادة صنع المستقبل، وكسر قيود الهيمنة الايديولوجية، ثمة امل بالتغيير اذا تحالف المعتدلون الجدد مثلا في قبال تحالف المتشددين، او تحالف قوى الدولة في مواجهة قوى اللادولة، او تحالف قوى التغيير ضد جبهة الرافضين للتغيير. بغير ذلك لن نشهد مشاركة واسعة وحماسا للانتخابات، وهما شرط التغلب على الاصوات الحزبية التقليدية التي تعرف كيف تجيش محازبيها للمحافظة على مواقعها .