ونحن نعيش خلال هذه الأيام أجواء الاحتفاء المبارك بـ "ألفية الحوزة العلمية في النجف الأشرف"، هذا الصرح الشامخ الذي صمد لألف عام كمنارة للعلم والمعرفة، تتجلى أمامنا تساؤلات جوهرية حول سر هذا البقاء والرسوخ المعرفي العجيب.
ولماذا كان التحصيل العلمي في الحوزة العلمية أكثر انتاجية واعظم ثمرة من باقي المعاهد العلمية؟
وللإجابة على ذلك، يجب أن ننظر أولاً في أزمة التعليم المعاصر؛ حيث تعاني الكثير من المؤسسات الأكاديمية اليوم من ضعف الإنتاجية وصعوبة رسوخ المعلومات في أذهان الطلاب. ويعود السبب الرئيس في ذلك إلى أثر السلوكيات الخاطئة في التعلم، مثل الاعتماد السلبي على "إعادة القراءة" وتظليل النصوص، أو "التلقين المكثف". هذه السلوكيات تمنح المتعلم شعوراً زائفاً بالإتقان، لكنها في الحقيقة تضعف الروابط العصبية وتجعل المعلومات تتبخر عند أول اختبار حقيقي.
هذه الإشكالية الحديثة هي جوهر ما تصدت له الدراسة العلمية البارزة في كتاب "اجعله يترسخ: علم التعلم الناجح" (Make It Stick: The Science of Successful Learning)، لمؤلفيه بيتر براون، وهنري روديجر، ومارك مكدانيل. حيث أثبتت الدراسة أن العادات الدراسية الشائعة تخلق ما يُعرف بـ "وهم المعرفة".
"إن إعادة قراءة النصوص والتدريب المكثف على مهارة أو معرفة جديدة هي الاستراتيجيات الدراسية المفضلة لدى المتعلمين من مختلف الأطياف، ولكنها في الوقت ذاته من بين أقل الاستراتيجيات إنتاجية."
(المصدر: Make It Stick، الفصل الأول: التعلم يُساء فهمه - Chapter 1: Learning is Misunderstood، ص. 3)
ويقدم المؤلفون الحل العلمي البديل المتمثل في "ممارسة الاسترجاع" (Retrieval Practice) و"التعلم الجهيد" (Effortful Learning). فكلما بُذل جهد أكبر في "استخراج" المعلومة من الذاكرة، كلما ترسخت أكثر.
"يكون التعلم أعمق وأكثر استدامة عندما يكون مصحوباً بالجهد. أما التعلم الذي يأتي بسهولة فهو أشبه بالكتابة على الرمال، موجود اليوم ويختفي غداً."
(المصدر: Make It Stick، الفصل الأول: التعلم يُساء فهمه - Chapter 1: Learning is Misunderstood، ص. 3)
"ممارسة الاسترجاع — أي استدعاء الحقائق أو المفاهيم أو الأحداث من الذاكرة — هي استراتيجية تعلم أكثر فعالية بكثير من المراجعة عن طريق إعادة القراءة."
(المصدر: Make It Stick، الفصل الثاني: لكي تتعلم، استرجع - Chapter 2: To Learn, Retrieve، ص. 28)
هذا المبدأ القائم على بذل الجهد الإدراكي العميق، هو ذاته المنهج الذي حث عليه الإسلام ورسخه في نفوس طالبيه. فقد ابتدأ القرآن الكريم رسالته بالحث على التعلم النشط قائلاً: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾، ووجّه بطلب الزيادة المستمرة ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾.
وقد أرست نصوص أهل البيت (عليهم السلام) قواعد منهجية دقيقة ترشد لأهمية التعلم وكيفيته، محذرة من الاستقبال السلبي للمعلومة. يقول أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام): "عليكم بالدِّرايات لا بالرِّوايات"، في إشارة صريحة إلى ضرورة إعمال العقل والفهم العميق بدلاً من الحفظ السطحي. وحول كيفية تثبيت العلم بما يتطابق مع نظرية (الاسترجاع النشط)، يؤكد الإمام الصادق (عليه السلام) على مبدأ استدعاء المعلومات المستمر قائلاً: "تذاكروا العلم، فإنكم إن لم تفعلوا يدرس" (أي يُمحى ويُنسى).
وبالعودة إلى مناسبتنا العظيمة، يتبين لنا أن بقاء حوزة النجف الأشرف لألف عام لم يكن يوماً مجرد صدفة، بل هو نتاج منهجية علمية دقيقة تُرجمت عملياً في الأسلوب الفريد الذي استخدمه طلبة الحوزة العلمية منذ مئات السنين، وهو ما يُعرف بأسلوب "المباحثة".
في المباحثة الحوزوية، يجلس الطالبان أو أكثر بعد انتهاء الدرس، ليقوم أحدهما بـ "استرجاع" المادة المعرفية كاملة من ذاكرته دون الاعتماد السلبي على الكتاب، ويشرحها لزميله الذي يقوم بدوره بإثارة الإشكالات والنقاش. هذا التدريب العقلي اليومي هو التطبيق الأرقى والأكثر صرامة لما يسميه العلم الحديث بـ "ممارسة الاسترجاع" وخلق "الصعوبات المرغوبة" (Desirable Difficulties).
لقد أثبت هذا الأسلوب الحوزوي أثره البالغ في الفهم الدقيق والحفظ طويل الأمد، محولاً المعارف إلى "ملكة" راسخة في نفوس العلماء. لتؤكد لنا ألفية الحوزة العلمية في النجف الأشرف أن هذا الصرح العريق كان يطبق عملياً أحدث وأنجح نظريات "علم التعلم" قبل أن تكتشفها أروقة الجامعات الغربية بقرون طويلة.