اختتمت قبل ساعات قليلة في العاصمة السويسرية جنيف الجولة الثالثة من المفاوضات الإيرانية الأمريكية، وهي الجولة التي كانت العيون تترقب خروج "الدخان الأبيض" من مدخنتها إعلاناً عن انفراجة كبرى، لكن المشهد انتهى إلى حالة من الضبابية.
ورغم انتهاء المباحثات بالاتفاق على جولة فنية في فيينا يوم الاثنين القادم بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية، إلا أن عدم تحديد موعد أو مكان للجولة السياسية القادمة مع الجانب الأمريكي يضع إشارة استفهام كبيرة حول مسار التهدئة.
التصريحات الرسمية التي صدرت عن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقشي، ونظيره العماني بدر البوسعيدي، حملت لغة إيجابية تشير إلى حصول تقدم ملحوظ وتوافق على الكثير من النقاط، وهو ما أكده أيضاً مسؤول أمريكي رفيع المستوى. ومع ذلك، تبقى "الشياطين في التفاصيل"، حيث لا تزال القضايا الجوهرية عالقة بانتظار الاجتماعات القادمة التي لم يُحسم توقيتها بعد، مما يجعل تقييم هذه الجولة يتأرجح بين النجاح الحذر والجمود المقلق.
معضلة اليورانيوم واختبار الأمن القومي
تتمحور العقدة الأساسية حالياً حول ملف تخصيب اليورانيوم؛ فإيران تصر على أن هذه الأنشطة جزء لا يتجزأ من أمنها القومي، بينما يواجه المفاوض الأمريكي ضغوطاً لفرض سياسة "صفر تخصيب". الخلاف لا يتوقف عند المبدأ، بل يمتد إلى الأرقام والأجيال التقنية؛ فالإيرانيون يتحدثون عن طموح للوصول إلى 900 ألف جهاز طرد مركزي من الأجيال السابعة والسادسة الحديثة، في حين يسعى الجانب الأمريكي لحصر الأنشطة في مستويات رمزية لا تتجاوز 1.5 بالمئة، وهي نسبة يراها الجانب الإيراني غير ذات جدوى صناعية.
الأرقام الحالية تضع المفاوضات في عنق الزجاجة؛ إذ تملك طهران حالياً ما يقارب 425 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 بالمئة، إضافة إلى كميات معتبرة بنسبة 20 بالمئة و5 بالمئة. وبينما يقترح الإيرانيون خيارات مثل إرسال نصف الكمية للخارج أو ترقيق النصف الآخر داخل إيران تحت رقابة دولية، يبدو أن الجانب الأمريكي لم يعطِ موافقته النهائية بعد. هذه التعقيدات هي نتاج طبيعي لسنوات الجمود التي أعقبت الانسحاب الأمريكي السابق من الاتفاق النووي، مما جعل الملف يتضخم تقنياً وسياسياً.
من جنيف إلى فيينا.. مسار فني يسبق السياسي
ينتقل الثقل الآن من أروقة جنيف السياسية إلى المباحثات الفنية في فيينا يوم الاثنين القادم. هذه المفاوضات ستكون محصورة بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية، وتهدف بالدرجة الأولى إلى إزالة القلق الدولي حول منشآت نووية معينة، لا سيما تلك التي تعرضت لهجمات في يونيو حزيران الماضي. طهران تبدي استعداداً لتفكيك مخاوف الوكالة كبادرة حسن نية، وهو مسار ضروري لتمهيد الطريق أمام الفريق السياسي الذي يقوده عباس عراقشي في مواجهة المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف.
الحقيقة التي لا يمكن القفز فوقها هي أن "المدخنة" لم تطلق دخاناً أبيض ولا أسود، بل ربما لم نلمح حتى خيطاً رمادياً. هذا الوضع المعلق يفتح الباب أمام تساؤلات حول نوايا الرئيس دونالد ترامب؛ فهل سيستمر في رهان الدبلوماسية أم أن في جعبته خيارات أخرى؟ إن شعوب المنطقة وحكامها يتطلعون إلى حل سلمي يجنب الشرق الأوسط ويلات صراع عسكري جديد، لأن إشعال الحرب سهل، لكن صناعة السلام هي الاختبار الحقيقي للشجاعة والقيادة.
خيار السلام ورهان الشجاعة أمام ترامب
يروج الرئيس ترامب لنفسه كصانع للسلام ويسعى لنيل جائزة نوبل من خلال حل الأزمات الدولية الكبرى، ومن المفترض أن يكون الملف الإيراني هو الميدان الحقيقي لترجمة هذه الرؤية. إيران أبدت جدية واضحة في مقترحاتها التي تهدف لإزالة القلق الدولي، وعلى الولايات المتحدة الآن الانخراط بجدية أكبر بدلاً من ترك الأمور معلقة. القوة العسكرية الأمريكية قادرة على التدمير، لكن العظمة الحقيقية تكمن في القدرة على ترسيخ الاستقرار العالمي.
سنتابع في الأيام القادمة، وتحديداً بعد اجتماع فيينا يوم الاثنين، ما سيسفر عنه تقييم الفنيين، فربما تساهم حلحلة القضايا مع الوكالة الذرية في تحريك المياه الراكدة بين طهران وواشنطن. الأمل يبقى معلقاً على تغليب لغة العقل وتجنيب المنطقة توترات لا تحمد عقباها، ليعيش الجميع في أمن وسلام بعيداً عن قرع طبول الحرب.