الجمعة 4 شوّال 1446هـ 4 أبريل 2025
موقع كلمة الإخباري
كيف تحدد بوصلة الموت باتجاه السعادة لا الشقاء؟!
حسن الهاشمي
ما دام الامام علي (عليه السلام) ميزان الحق بشهادة النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) بقوله: (علي مع الحق والحق مع علي والحق يدور حيثما دار) بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ٣٨ - ص ٢٩. فان الالتفاف حوله يرشدنا الى طريق هدى لا ضلال معه، وما دامت الحياة مرآة للآخرة، وما دام الموت هو الذي ينقلنا من بلاء واختبار الى حياة دائمة أبدية سرمدية، فالحق الذي يدور مع الامام لا يقتصر على الدنيا فحسب، بل يتعداها الى ما بعد الموت، فالمؤمن يبشّر من قبل الامام بالجنة والرضوان، والمنافق يسوؤه لقاء الامام بما ينتظره من الخزي والنيران، كيف لا يكون حال المؤمن والمنافق كذلك والامام علي (عليه السلام) يقول: (انا قسيم الجنة والنار، ادخل أوليائي الجنة وادخل أعدائي النار) بصائر الدرجات - محمد بن الحسن الصفار - ص ٤٣٥.
2025 / 04 / 01
0

ما دام الامام علي (عليه السلام) ميزان الحق بشهادة النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) بقوله: (علي مع الحق والحق مع علي والحق يدور حيثما دار) بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ٣٨ - ص ٢٩. فان الالتفاف حوله يرشدنا الى طريق هدى لا ضلال معه، وما دامت الحياة مرآة للآخرة، وما دام الموت هو الذي ينقلنا من بلاء واختبار الى حياة دائمة أبدية سرمدية، فالحق الذي يدور مع الامام لا يقتصر على الدنيا فحسب، بل يتعداها الى ما بعد الموت، فالمؤمن يبشّر من قبل الامام بالجنة والرضوان، والمنافق يسوؤه لقاء الامام بما ينتظره من الخزي والنيران، كيف لا يكون حال المؤمن والمنافق كذلك والامام علي (عليه السلام) يقول: (انا قسيم الجنة والنار، ادخل أوليائي الجنة وادخل أعدائي النار) بصائر الدرجات - محمد بن الحسن الصفار - ص ٤٣٥.

المراد من أنّ علياً (عليه السلام) قسيم الجنة والنار واضح وبسيط، فكما أنه من الواضح أن الايمان بالله ورسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) واليوم الآخر هو الفيصل والقسيم بين الجنة والنار عموماً، فكذلك تكون الامامة وولاية علي (عليه السلام) قسيم وفيصل بين الجنة والنار لأهل الاسلام مصداقاً لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ) النساء: 59. أشارت الكثير من الروايات إلى أنّ مصداق أولي الأمر هم الأئمة المعصومون عليهم السلام، منها: عن جابر بن عبد الله قال: (لما أنزل الله عزّ وجلّ على نبيِّه محمد صلی الله عليه وآله وسلم: يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله... قلت: يا رسول الله عرفنا الله ورسوله، فمن أولو الأمر الذين قرن الله طاعتهم بطاعتك؟ قال: هم خلفائي يا جابر وأئمة المسلمين بعدي، أوّلهم عليّ بن أبي طالب، ثم الحسن، ثم الحسين، ثم علي بن الحسين، ثم محمد بن علي....) ينابيع المودة، القندوزي، ص 494.

كيف لا يكون الامام علي بن ابي طالب عليه السلام قسيم الجنة والنار وهو ذلك الامام العادل الذي كان مثالا للزهد والتقوى؟ّ! ورمزا للعلم والشجاعة، وانموذجا كاملا للعدل والسماحة، وانه بحق هاديا مهديا يأخذ بنا الصراط المستقيم، في حياته جسّد الامام سلام الله عليه، أسمى آيات الاخلاص لله تعالى، والعمل في سبيل الحق، فكان نصير المظلومين وعون الفقراء، لا يخشى في الله لومة لائم، كان باب مدينة علم الرسول الاعظم، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وكان علمه وعمله منارا للإنسانية جمعاء.

سلام عليك يا أمير المؤمنين، يوم ولدت ويوم استشهدت ويوم تبعث حيا، سلام عليك عند الممات، وعند الصراط، وعند المقاسمة، سلام عليك وكلنا أمل ورجاء ومطلوبية بأن نكون من الأولياء لنستبشر بلقائك، لا أن نكون من الأشقياء ليسوؤنا لقاءك، سلام عليك وكلنا أمل بأن تبشرنا كما بشرت الحارث الهمداني بالجنة والرضوان، فأنت أهل للكرم والجود والسماح بالأخص لمن والاك وهو يحمل بين ظهرانيه بضاعة مزجاة ويرجو منك أن توفي له الكيل بفضلك وكرمك وعطائك.  

عن الشيخ الصدوق في أماليه: قال: دخل الحارث الهمداني على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - عليه السلام - في نفر من الشيعة وكنت فيهم، فجعل - يعني الحارث - يتأود في مشيته ويخبط الأرض بمحجنه، وكان مريضا فأقبل عليه أمير المؤمنين - عليه السلام - وكانت له منه منزلة فقال: كيف نجدك يا حار؟

قال: نال الدهر مني يا أمير المؤمنين، وزادني أوزارا وغليلا اختصام أصحابك ببابك.

قال: وفيم خصومتهم؟ قال: في شأنك والبليّة من قبلك، فمن مفرط غال، ومقتصد قال، ومن متردد مرتاب لا يدري أيقدم أو يحجم.

قال: فحسبك يا أخا همدان ألا إن خير شيعتي النمط الأوسط، إليهم يرجع الغالي، وبهم يلحق التالي.

أبشّرك يا حار، ليعرفني - والذي فلق الحبة وبرأ النسمة - وليي وعدوي في مواطن شتى، ليعرفني عند الممات، وعند الصراط، وعند المقاسمة.

قال: وما المقاسمة، يا مولاي؟ قال: مقاسمة النار أقاسمها قسمة صحاحا، أقول: هذا وليّي، وهذا عدوّي.

خذها إليك يا حار قصيرة من طويلة، أنت مع من أحببت ولك ما احتسبت - أو قال: ما اكتسبت - قالها ثلاثا. فقال الحارث - وقام يجر ردائه جذلا -: ما أبالي - وربي - بعد هذا متى لقيت الموت أو لقيني.

قال جميل بن صالح: فأنشدني السيد بن محمد الحميري في كتابه:

قـول عـلي لحـارث عجب * كم ثم أعجوبـة لـه حملا

يا حار همدان من يمت يرني * من مؤمن أو منافق قبلا

يعرفني طرفه وأعرفه * بنعته واسمه وما فعلا

وأنت عند الممات تعرفني * فلا تخف عثرة ولا زللا

أسقيك من بارد على ظماء * تخاله في الحلاوة العسلا

أقول للنار حين توقد للعرض * دعيه لا تقربي الرجلا

دعيه لا تقربيه إنّ له * حبلا بحبل الوصي متّصلا

عدل الامام لا يقتصر على الحياة الدنيا بل يتعداه الى الحياة الأخرى، وكل انسان بما كسب رهين، وثمة فرق واضح بين من امتثل الاحكام الإلهية ولجم شهوات نفسه بالتزام الطاعات واجتناب المعاصي، وبين من ألقى حبلها على غاربها ممتطيا صهوة شهواته مطلقا العنان لرغباته دون رادع شرعي أو وازع ضمير أو وجدان، فعدالة الامام تقتضي أن تكون المقاسمة صحيحة تعكس ما ذاق المؤمن من التزام وممانعات، وما طفح من المنافق من هتك ومخالفات، ومن هنا تأتي عبارة الامام هذا وليّي لمن لبى نداء الحق، وهذا عدوّي لمن تمرد على الحق، وهو مقتضى العدالة بما كسبت ايدي الناس.

عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: من أحب حجرا حشر معه، والمرء مع من أحب) الإثنا عشرية - الحر العاملي – ص١٥٤. يحشر المرء مع من أحبه، حتى أنه لو أحب أحدكم حجرا حشر معه، فإذا كان حب المرء متحمضاً في ذات الله تبارك وتعالى وفي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وفي ولي الله علي وأولاده المعصومين عليهم السلام، وما دعوا إليه من الفضل والخير والثواب العميم، فانه لا يبالي أوقع على الموت أو وقع الموت عليه، أمّا أولئك الذين يعبدون الأصنام الحجرية ومن ضمنها القناطير المقنطرة من الذهب والفضة، والبشرية ومن ضمنها الطغاة وأهل البدع والزندقة والظلم والعدوان، فان الموت يكون عليهم غصة أبدية، ويا لها من مغامرة خاسرة!.

اليوم ونحن نعيش في عالم مليء بالتحديات، نجد في نهج الامام علي عليه السلام طريقا للخلاص، فكم نحن بحاجة الى الاقتداء بزهده وعدله، بجهاده وصبره، بحلمه وحكمته، لنجعل سيرته نبراسا لنا، ولنعمل بفضائله في تعاملنا مع الآخرين، في نشر العدل والاحسان، وفي مواجهة الفتن بالحق والصبر، هذا في الدنيا أما في الآخرة فان الالتزام بنهجه هو الذي ينجينا من أهوال القبر والقيامة، ومن منّا لا يحب ان يلتقي بالإمام عند مماته وهو فرح مستبشر ريّان، وحذار من أن يلتقي المرء بعد مماته والإمام ماقت عليه وغضبان، هذا المفهوم نراه واضحا وجليا في قوله عليه السلام والرضوان: (من أحبني وجدني عند مماته بحيث يحب، ومن أبغضني وجدني عند مماته بحيث يكره) صحيفة الإمام الرضا (عليه السلام): ٨٦ / ٢٠٣.

التعليقات