انعقد لقاء ثنائي عاصف وقصير لم يتجاوز 40 دقيقة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، على هامش أعمال الجمعية العامة.
ورغم الطابع الدبلوماسي المعتاد، سلطت التحليلات الدولية والروسية الضوء على كواليس هذا الاجتماع، لتكشف عن معركة خفية من الضغوط والمناورات الاقتصادية وإملاءات الغرف المغلقة.
ويرى المحلل السياسي الروسي ألكسندر دودتشاك أن زيلينسكي لم يُبدِ أي "تمرد" خلال اللقاء، بل كان محكوماً بإطار سلوك صارم. ويشير إلى أن محطة زيلينسكي في أيرلندا ولقاءه بمدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) جون راتكليف قبيل وصوله نيويورك، حددت قواعد سلوك مُلزمة مُنع بموجبها من تجاوز الخطوط الحمراء، وهو ما فسّر ظهوره هادئاً ومستمعاً في معظم الوقت.
ويضيف التحليل أن واشنطن تدير الصراع كنموذج "حرب بالتعهيد" (Outsourcing)، حيث يربح المجمع الصناعي العسكري الأمريكي طلبات تسليح ضخمة، وتتحول أوروبا إلى مستهلك رئيسي للطاقة والسلاح الأمريكي، بينما تقع الكلفة البشرية والاقتصادية بالكامل على عاتق أوكرانيا والدول الأوروبية.
وركّزت شبكة "سي إن بي سي" على البعد الاقتصادي الحرج الذي هيمن على المحادثات، مفسّرة أسباب الضغط الأمريكي. فترامب يضغط بشدة لوقف الهجمات الأوكرانية بالمسيّرات على مصافي التكرير الروسية، كونها تسببت في هزات بقطاع الطاقة العالمي ورفعت أسعار وقود الديزل داخل الولايات المتحدة إلى مستويات قياسية تشكل عبئاً سياسياً داخلياً.
في المقابل، واجه زيلينسكي هذا الضغط بطرح صيغة مشروطة لـ"هدنة طاقة متبادلة"، مفادها: مستعدون لوقف استهداف المصافي والناقلات الروسية، بشرط أن تتوقف موسكو تماماً عن قصف البنية التحتية لشبكات الكهرباء والتدفئة الأوكرانية مع اقتراب فصل الشتاء، رافضاً أي تنازلات من طرف واحد.
وصفت شبكة "فوكس نيوز" اللقاء بأنه مواجهة بين رؤيتين متناقضتين لإنهاء الصراع. فترامب يرى أن الحرب أزهقت أرواحاً لا حصر لها وهزّت استقرار العالم، وأن الحل الأمثل هو فرض صفقة تسوية سريعة جداً تنهي النزاع فوراً. بينما يرى الجانب الأوكراني أن أي تسوية سريعة لا تتضمن ضمانات أمنية صارمة ومكتوبة لكييف، لن تكون سوى "صيغة استسلام مقنّعة" غير مقبولة.
وقدّمت شبكة الأبحاث الجيوسياسية "رين" نظرة استخباراتية حول أدوات الضغط المتاحة وصعوبة تطبيقها. فترامب يستند إلى تشريعات أمريكية قوية، أبرزها قانون العقوبات الجديد (قانون ليندسي غراهام)، الذي يمنحه صلاحيات واسعة لفرض تعريفات جمركية عقابية تصل إلى 100% على مشتري الطاقة الروسية، مستخدماً إياها كـ"عصا غليظة" لإجبار الأطراف على التهدئة.
لكن تحليلات "رين" تتفق مع الرؤية الروسية في أن الحسابات الميدانية لموسكو تسير بشكل مستقل تماماً، فمن المستبعد أن تتجاوب روسيا مع أي صيغة تفاهمات أمريكية-أوكرانية مسبقة، خاصة أن الكرملين يمضي في تحقيق أهدافه العسكرية والضغط على قطاع الطاقة الأوكراني قبيل الشتاء، دون الالتفات لإملاءات واشنطن أو شروط كييف.
المحرر: عمار الكاتب