الأربعاء 5 شوّال 1447هـ 25 مارس 2026
موقع كلمة الإخباري
المرجعية العليا ومبدأ التكافل بين الشعوب
حسين الهاشمي
كاتب وصحفي عراقي من كربلاء
2026 / 03 / 25
0

جدد مكتب المرجع الديني الأعلى السيد علي السيستاني ادانته للحرب التي وصفها بالظالمة على إيران ولبنان داعيا الى دعم الشعبين في البلدين، جاء في نص الادانة في صلوات العيد التي ألقيت في الكاظمية وكربلاء.

- ان العيد وان كان يحمل في طياته معاني السرور؛ الا ان قلوب المؤمنين تتقطع ازاء ما يحدث بحق إخواننا في الدين والانسانية.

- اننا في الوقت الذي نكبر فيه الله تعالى فرحا بنعمته؛ تتعالى صرخات الاطفال، وتنهمر دموع الثكالى، وتتصاعد ألسنة اللهب فوق بيوت الآمنين في إيران ولبنان مع تواصل العدوان العسكري عليهما .

- إننا ندين بأشد العبارات هذه الحرب الظالمة، وندعو سائر المؤمنين واحرار العالم للتنديد بها والتضامن مع الشعبين الايراني واللبناني المظلومين.

- نناشد جميع الجهات الدولية الفاعلة ودول العالم، لاسيما الدول الاسلامية ببذل قصارى جهودها لإيقافها.

- ان الايمان (عمل ومواساة) وفي ظل الظروف العصيبة، فان الواجب الشرعي والانساني يحتم علينا مد يد العون والمساعدة لإخواننا المنكوبين.

- ان المرجعية الدينية العليا فتحت باب الخير والبركة، وأجازت صرف الحقوق الشرعية في سبيل تخفيف آلام المتضررين في ايران ولبنان، ولكن يجب ان يكون ذلك بطرق موثوقة كمكاتب المرجعية العليا، او ايصال المساعدات مباشرة لمستحقيها من غير وسيط.

- ان العيد فرصة لتجديد العهد مع الله والتسامح فيما بيننا، وصلة الارحام، وتفقد الفقراء والمساكين.

- ان رحمة الله واسعة، وفرجه قريب، ونصره آتٍ لا محالة.

تندرج دعوة المرجعية الدينية العليا في النجف الأشرف إلى التبرّع المالي لدعم المتضرّرين من الشعبين الإيراني واللبناني ضمن إطار المسؤولية الإنسانية التي أكّد عليها الإسلام، والتي تحثّ على الوقوف إلى جانب المنكوبين ومواساة المتضرّرين في أوقات الأزمات، فقد شكّلت هذه الدعوة تعبيراً حيّاً عن روح التكافل والتضامن، حيث حثّت المؤمنين على المبادرة إلى البذل والعطاء، والمساهمة في تخفيف معاناة المتضرّرين جرّاء الظروف الصعبة التي مرّت بها تلك المجتمعات.

وتعكس هذه المبادرة وعياً عميقاً بحجم التحدّيات التي تواجه الشعوب، وإدراكاً لأهمية الدور الذي يمكن أن يضطلع به المجتمع في التخفيف من آثار الأزمات، سواء كانت كوارث طبيعية أو أزمات إنسانية، كما تُبرز هذه الدعوة البعد العملي للقيم الدينية، إذ تتحوّل التعاليم إلى سلوك واقعي يسهم في إنقاذ الأرواح، وتوفير الاحتياجات الأساسية، وتعزيز روح الأخوّة بين الشعوب.

وعليه، فإنّ هذه الدعوة لا تمثّل موقفاً ظرفياً فحسب، بل هي امتداد لنهجٍ راسخ في العمل الإنساني، يُجسّد التفاعل مع قضايا الأمة، ويُعزّز من حضور القيم الإسلامية في ميادين الإغاثة والتكافل الاجتماعي.

عن النبي (صلى الله عليه واله): (من أصبح لا يهتمّ بأمور المسلمين فليس منهم) وسائل الشيعة (آل البيت)، الحر العاملي، ج61، ص337. لا يُراد به الخروج من الإسلام بالمعنى العقدي، بل هو أسلوب تحذير شديد، يُبيّن أن المسلم الحقيقي لا يكون أنانياً أو غافلاً عن قضايا أمته، بل يحمل همّ الآخرين، ويتفاعل مع حاجاتهم وآلامهم.

الإسلام يربط بين الإيمان والمسؤولية الاجتماعية، ولا يكفي الانشغال بالشؤون الخاصة (كالعمل أو الأسرة) مع إهمال الآخرين، الحديث يضع مبدأً عاماً: لا قيمة لانشغال الإنسان بحياته الخاصة إذا كان ذلك يجعله غافلاً عن حقوق الآخرين.

الحديث يعد من النصوص العميقة التي تُرسّخ مبدأ المسؤولية الجماعية في الإسلام، ويحذّر من النزعة الفردية والأنانية، فالحديث لا يقتصر على بيان فضيلة أخلاقية عابرة، بل يؤسّس لقاعدةٍ أساسية في بناء المجتمع المسلم، وهي أنّ الانتماء الحقيقي للإسلام لا ينفصل عن الاهتمام بقضايا الأمة وهمومها.

وليس المقصود من نفي الانتماء في قوله "فليس منهم" الخروج من الدين، بل هو أسلوبٌ بليغ للتنبيه إلى خطورة الإعراض عن شؤون المسلمين، وكأنّ هذا السلوك يُنافي روح الإسلام وجوهره، فالمسلم الحقّ هو الذي يحمل همّ مجتمعه، ويتفاعل مع قضاياه، ويسعى ـ بقدر استطاعته ـ في رفع الظلم، ومساعدة المحتاج، وإصلاح الواقع.

ويكشف هذا الحديث عن بُعدٍ إنساني عميق في الرسالة الإسلامية، حيث لا يُنظر إلى الفرد بمعزل عن مجتمعه، بل يُعدّ جزءاً حيّاً من كيانٍ أكبر، يتأثّر به ويؤثّر فيه، ومن هنا، فإنّ الاهتمام بأمور المسلمين يشمل مختلف صور التفاعل الإيجابي، من التعاطف القلبي، إلى الدعم المعنوي، وصولاً إلى العمل الفعلي في خدمة الناس.

وعليه، فإنّ هذا الحديث يُمثّل دعوةً صريحة إلى اليقظة الاجتماعية، وإلى تجاوز حدود الذات الضيّقة نحو أفقٍ أوسع من الشعور بالمسؤولية، بما يُسهم في بناء مجتمعٍ متماسك تسوده روح التعاون والتكافل.

وتعميقا لهذا التعاون وتأصيلا لذلك التكافل وبتوجيهٍ من وكيل المرجعيّة الدينيّة العُليا سماحة العلّامة السيد أحمد الصافي، أعلنت العتبةُ العبّاسية المقدّسة عن المباشرة بحملةٍ لجمع التبرّعات دعمًا للشعبَينِ الإيرانيّ واللبنانيّ، يوم السبت، 21 مارس 2026 وذلك في أعقاب الأحداث الأخيرة التي تشهدها المنطقة.

وتأتي جهود العتبة العبّاسية المقدّسة انطلاقًا من توجيهات المرجعية الدينية العُليا، وفي إطار السعي لترسيخ قيم التضامن الإنسانيّ، وتعزيز روح التكافل بين الشعوب الإسلاميّة.

ودعت المرجعيّةُ الدينيّةُ العُليا عبر خطبة صلاة العيد في كربلاء المقدّسة، المؤمنين في هذه الظروف العصيبة وتفاقم المأساة وازدياد حاجة المتضرّرين والنازحين، إلى مدّ يد العون والمساعدة للمنكوبين، كما أَذِنت بصرف الحقوق الشرعيّة لتخفيف آلام المتضرّرين في إيران ولبنان.

ويعكس هذا التوجّه فهماً عميقاً لمقاصد الشريعة الإسلامية، وهو يُجسّد حديث النبي الأكرم: "من أصبح لا يهتمّ بأمور المسلمين فليس منهم" مبدأً أساسياً في بناء الوعي الاجتماعي في الإسلام، إذ يربط بين حقيقة الانتماء الديني وحجم الإحساس بالمسؤولية تجاه الآخرين، فالحديث لا يكتفي بالدعوة إلى التعاطف الوجداني، بل يحثّ على التفاعل العملي مع قضايا الأمة، والسعي في التخفيف من معاناتها بمختلف الوسائل الممكنة.

وفي هذا السياق، يبرز دور المرجعيات الدينية الشيعية بوصفه امتداداً عملياً لهذا التوجيه النبوي، حيث أذِنت بصرف الحقوق الشرعية ـ كالأخماس والزكوات ـ في سبيل معالجة الأزمات الإنسانية، والتخفيف من آلام المتضرّرين في بعض البلدان كإيران ولبنان، وهذا التوجّه يعكس فهماً عميقاً لروح الحديث، إذ لم يُختزل الاهتمام بأمور المسلمين في حدود الشعور أو الخطاب، بل تُرجم إلى ممارسات واقعية أسهمت في دعم المحتاجين وإغاثة المنكوبين.

وعليه، فإنّ هذا الحديث يُمثّل قاعدةً أخلاقية عامة تُحرّك الضمير الجمعي، وتدفع نحو تحمّل المسؤولية في مواجهة التحدّيات، كما أنّ تفعيل الحقوق الشرعية في هذا الإطار يُعدّ من أبرز صور الامتثال العملي له، بما يُسهم في ترسيخ قيم التكافل والتضامن داخل المجتمع الإسلامي، ويمكن للمؤمنين التبرع عبر مكتب قسم استلام الهدايا والنذور والموقوفات داخل العتبة العباسية المقدسة او بقية المكاتب الموثوقة المخصصة لهذا الغرض.

التعليقات