الجمعة 19 رَجب 1447هـ 9 يناير 2026
موقع كلمة الإخباري
من هم "جماعة السيستاني"؟
إيليا إمامي
"جماعة السيستاني".. تعبيرٌ لا يصادفك في سوق عام، أو كراج، أو مستشفى، أو دائرة حكومية؛ لأنه ببساطة مصطلح لا يُستخدم في قاموس الحياة العامة للناس، بل يُستخدم من قِبل "جماعات" معينة ولأهداف معينة.
2026 / 01 / 07
0

"جماعة السيستاني".. تعبيرٌ لا يصادفك في سوق عام، أو كراج، أو مستشفى، أو دائرة حكومية؛ لأنه ببساطة مصطلح لا يُستخدم في قاموس الحياة العامة للناس، بل يُستخدم من قِبل "جماعات" معينة ولأهداف معينة.

جملٌ غير مفيدة ترددها هذه الجماعات، مثل: "أين أنتم يا جماعة السيستاني عن كذا؟"، ومثل: "لماذا لا يتحرك جماعة السيستاني لكذا؟"، حتى ظن بعض مقلدي المرجع السيستاني أنهم فعلاً "جماعته" دون غيرهم، وأنهم معنيون بالرد على هذه المغالطة!

والسؤال هنا للكل، ودعونا نتساءل في البداية: هل للسيستاني جماعة خاصة به؟

أستعير هنا تعليقاً لأحد الأصدقاء يقول فيه: "من الذي ليست لديه جماعة خاصة؟ حتى الله تعالى له جماعة أسماهم في القرآن (حزب الله)".

وجواباً على تعليق الصديق: إن الحواريين عندما سألهم عيسى (عليه السلام): (مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ)، لم يقولوا "نحن أنصارك"، بل قالوا (نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ). فمثل هؤلاء الأنصار المخلصين الذين تدعوهم القيادة الدينية فيستجيبون لها ليسوا هم محور كلامنا؛ فهؤلاء قاموا لله ودفاعاً عن حرمات الله.. هؤلاء جماعة أهل البيت لا جماعة السيد السيستاني أو غيره.

لكن مقالنا هنا منعقد للبحث في جهة أخرى، وهي التأمل في "مدرسة السيستاني وأسلوب إدارته":

 هل أفرزت بمرور الوقت جماعة تستطيع وصف نفسها بـ "خط السيستاني" دون أن تأتيها صفعة قوية من ذلك الزقاق في محلة البراق؟

 وهل صارت لديه بطانة مقربة يهبها الدعم على أساس انحيازها وترويجها له، وليس على أساس علمها وتقواها وحسن إدارتها للشؤون العامة للطائفة؟

وبعبارة أوضح وأصرح: هل يكفي أن تسبح بحمد السيستاني وتقدس له ليمنحك صك القرب والمحسوبية مهما كنت وكانت تصرفاتك؟

ما تكرره بعض الأصوات لألف مرة في اليوم لا يغير من الواقع شيئاً؛ لأن تصرفات الرجل ومؤشرات إدارته هي من ستحكم عليه في النهاية، وليس القصص البوليسية الفاشلة التي لا يراها سوى كاتبها.

ولكي لا أطيل عليكم، أختصر المقال في ثلاث جهات:

أولاً: أسلوب قيادة السيستاني يجعل "الجماعة الخاصة" شيئاً غير قابل للتحقق

سأبقى مع كتاب "النصوص الصادرة" لحامد الخفاف، حيث يمكنك التعرف -بصحبة هذا الكتاب- على السيستاني الفرد والسيستاني المرجع، من دون أن يحدثك عنه أحد. وعموماً، أقتبس ثلاثة مواقف بحسب تسلسلها الزمني ثم أعلق عليها:

 رسالة مكتب سماحته إلى هيئة الحج (19 شوال 1428هـ): يؤكد فيها عدم وجود جماعة محسوبة على مكتب سماحته في العراق لتنال عدداً مخصصاً من المقاعد، وينبه على عدم السماح بذلك. (وثيقة رقم 102).

 رسالة مكتب سماحته إلى محافظ الديوانية (24 محرم 1430هـ): حول وجود مدرسة ابتدائية قامت بتغيير اسمها من "مدرسة حلب" إلى "مدرسة الإمام السيستاني"، ويبلغه بضرورة إعادة الاسم السابق وعدم رضاه بما حصل. (وثيقة رقم 106).

 رسالة مكتب سماحته إلى رئيس مجلس محافظة النجف الأشرف (11 ذو القعدة 1434هـ): يطالبه فيها بمنع تعليق صور سماحته في الدوائر الحكومية وعدم رضاه بذلك. (وثيقة رقم 115).

قد تبدو لك هذه المواقف أمراً بسيطاً، لكن ضعها في حساباتك لتعرف ما يريده الرجل، وكيف يدفع الناس دفعاً لتغيير طريقة تفكيرهم. فعلى المستوى الفردي، لا ينتظر من أحد مدحاً أو ذماً ولا يريد من أحد غير الالتزام بالأوامر الشرعية. وعلى المستوى الاجتماعي، لا يرغب بأن يتحول شخصه إلى مركز اهتمام الناس وقضيتهم الأولى، تاركين واجباتهم المهمة وبلدهم المدمر ومشغولين بمجاملة المرجع الأعلى.

ولن يسمح لثقافة المجتمع أن تنحرف بالتدريج من "محورية الدين" إلى "محورية الزعيم الديني"، مهما كان هذا الزعيم جسراً للوصول إلى الله وإلى أهل البيت.

هذا ما أفهمه عن السيستاني، وأفهم أن من لا يقبل بصورة، أو اسم في مدرسة، أو شخص يستغل الانتساب إليه؛ لن يقبل بوجود جماعة أقرب إليه من غيرها. وقد أضحكني قول أحد القراء الكرام: "هو بيت ملك ما يريد.. تتوقع يريد جماعة؟!".

ثانياً: لماذا يقف السيستاني سداً وحاجزاً دون نشوء هذه الجماعة؟

عرفنا أنه لا يريد جماعة خاصة لا من مقلديه ولا من غيرهم، وأن الرجل لا يستعرض عضلاته، وليس حريصاً على تأسيس مكاتب إعلامية بسهم وأموال الإمام (عليه السلام). ولكن يبقى السؤال: لماذا؟

ما الذي يحذره السيستاني لو أنه سمح لجماعة خاصة أن تعمل للدفاع عنه، وهو أكثر الناس بلاءً من ألسن الحاقدين عليه؟! ولماذا ينزعج حتى أولاده وأحفاده من نشر صورهم بين محبيهم؟

باعتقادي أن هناك ثلاثة أسباب تجعل المرجع ممانعاً بقوة ضد محسوبية فئة عليه:

1. أهون من ورقة في فم جرادة

هذا الرجل المقبل على الله، الراحل عن هذه الدنيا، لا يريد حملاً ثقيلاً في سفره لا حاجة له به؛ حمل لا يطلبه أهل الدنيا إلا لغرورهم بأنفسهم وحبهم لخفق النعال خلفهم. أما السيستاني فهو تلميذ جده علي (عليه السلام) القائل: (لا يزيدني كثرة الناس حولي عزة، ولا تفرقهم عني وحشة).

المتنافسون على الدنيا والظهور الإعلامي لا يدركون ما تعنيه هذه الكلمات مهما طال الكلام حولها، فلنكتفِ بما قال (عليه السلام): (وإن دنياكم عندي لأهون من ورقة في فم جرادة تقضمها، ما لعلي ولنعيم يفنى ولذة لا تبقى. نعوذ بالله من سبات العقل وقبح الزلل وبه نستعين).

2. نظام المذهب

صارع هذا المذهب -في حضور المعصوم أو غيابه- حالات مريرة من الانشقاق، وحيداً بلا سلطة تدافع عن كيانه، أو جيوش تجمع أمره وتمنع شتاته. ولم يكن سلاحه إلا المعرفة والعلم الذي تركه لنا الأئمة المعصومون وحمله العلماء الربانيون.

وفي وقتنا الراهن، حيث لم يدرس الكثير من شباب الشيعة تجارب الماضي ليتعلموا منها، ما زالوا عرضة للاستغلال. وهناك الكثير من حالات التقديس للأفراد على حساب العقيدة، والقبول والرفض بحسب العواطف لا بحسب الموازين الدينية؛ مما يضعنا أمام احتمالات أكبر من التشظي والانقسام. وكما يقول أمير المؤمنين (عليه السلام): (إنما بدء وقوع الفتن أهواء تُتّبع، وأحكام تُبتدع، يُخالف فيها كتاب الله، ويتولى عليها رجالٌ رجالاً على غير دين الله).

وبينما يستغل هذا قضية الإمام الحسين، ويستغل ذاك قضية الإمام المهدي لتوسيع رقعته الجماهيرية ولو على حساب إخراج الآخرين من التشيع وكأنه بواب الإمامة وسادنها؛ يبدو لي أن السيد السيستاني يحاول وضع أكثر عدد من الكوابح والعقبات أمام هذا التشرذم. فكأنه يقول: "لا لنسيان الجامع المشترك المعصوم والانشغال بغيره.. لا لصناعة المزيد من الرموز والألوان داخل المذهب الواحد.. وها أنا أبدأ بنفسي قبل غيري وأنا من يسمونه المرجع الأعلى، فلا جماعات ولا بهرجات، ولا أخذ الناس إلى معركة للدفاع عن الشخص والذات".

وبحسب فهمي القاصر -ولا أنسبه إلى أحد- أنه ينزعج أيضاً من تداول بعض أولاده الشباب لمصطلح "مرجعيون"؛ لأنه في الحقيقة -وتحت أي مبرر كان- وجه آخر لتصنيف "جماعة السيستاني"، بينما الأهم لهذه الطائفة -أعزها الله- أن تبقى "شيعة أهل البيت عليهم السلام" لا غير.

3. مصلحة العراق

وهذه النقطة لوضوحها لدى الجميع لن أطيل الكلام فيها. فالرجل أصبح اليوم نقطة توازن في عدة ملفات حساسة كالحرب ضد داعش، والتظاهرات، وتعاطي المكونات العراقية فيما بينها؛ حتى أصبح بحق صمام الأمان في العراق، وإن كانت مرجعيته تمتد إلى أبعد من ذلك.

ثالثاً: لماذا تصر بعض الأصوات على وجود "جماعة السيستاني"؟

هناك برأيي القاصر ثلاثة أسباب رئيسية لإصرارهم على زرع هذه المغالطة (والتي انطلت -كما أسلفنا- حتى على بعض محبي السيد للأسف):

1. تحجيم وإضعاف دوره الضامن

لعلك تتفق معي أو لا تتفق، أن المتصارعين اليوم لا يجدون الوقت الكافي للتفكير ومحاولة التفاهم والعودة إلى الأخوة التي فرقتها السياسة؛ بل هم مشغولون بضرب مفاصل بعضهم بأقسى وأعنف ما لديهم من القوة والمكر والتخطيط والكذب وكل الأسلحة.

ولعلك تتفق معي أو لا تتفق، أن الدول والجماعات والأحزاب بأجمعها كانت كل واحدة منها قد فكرت وتمنت يوماً أن تبتلع الأخرى متى ما شعرت بتمكنها من ذلك. وهنا يقف السيستاني كعقدة مستعصية في خارطة الحسابات المتبادلة، فالجميع يعلم أن الأمور إذا وصلت إلى "السحل الجماعي والحرب المفتوحة" لن يبقى متفرجاً. من هنا فوجوده سيكون مزعجاً في كل نقطة يريد أصحابها الذهاب إلى التطرف، ويمنعهم "رجل التوازن". وهذا سبب كافٍ لقولهم بأكثر من لسان وطريقة: "أنت لست الأب.. أنت طرف مثلنا لك جماعتك المستفيدة، ومنها الوكلاء والعتبات مثلاً، ولسنا ملزمين بطاعتك".

2. تبرير الاستمرار في التنافس والتشرذم

لا يريد أحد أن يرى الناس أفضل منه. فبينما تنشغل الخطوط المحسوبة على الدين باصطياد الشباب وتعبئة شباكها بأنواع الشعارات؛ يقف السيستاني بعيداً، مترفعاً عن استغلال آلة الدين لتقسيم الناس وتلوينها، متأسفاً على هذا الحال.

ومرة أخرى يقول هؤلاء: "لستَ أفضل منا، فأنت أيضاً لديك جماعتك، والمهم عندكم هو مصالحكم وليس مصلحة المذهب.. ولو كنتم -يا جماعة السيستاني- تريدون مصلحة المذهب لكنتم معنا".

3. لصق بعض التصرفات السلبية بشخصه

بما أن الأمر مبني على كذبة، فلا بأس أن تستمر بهذه الكذبة وتطورها وتجعل لها تفريعات كثيرة. فكل من لا يعجبك تصرفه قل عنه: "من جماعة السيستاني"، ثم انقل تصرفاته السلبية والصقها بالسيستاني!

وكالة إخبارية.. مجموعة بشرية.. هيئة ثقافية.. حملة إنسانية.. كل شيء كل شيء. ولأن الخطأ أثناء العمل لا بد أن يقع، فما عليك سوى المراقبة، وعندما يقع الخطأ لا تحاول تصحيحه، بل اصرخ بأعلى صوتك: "ها.. جماعة السيستاني"!!

20 / 9 / 2020

التعليقات