الاثنين 18 ذو القِعدة 1445هـ 27 مايو 2024
موقع كلمة الإخباري
المرجعية تؤكد على محورية العترة في التأسيس للحياة الطيبة
حسن الهاشمي - كاتب وصحفي عراقي
2024 / 04 / 20
0

هل ترغب بحياة طيبة بدون منغصات ومشاكل؟! هل ترغب بحياة هانئة تعيش فيها مرتاح البال والضمير والوجدان؟! هل ترغب بحياة ملؤها الخير والعطاء والاحسان؟! تعال معي لندخل سوية الى رحاب العترة الطاهرة التي هي بحق النموذج الأعلى للحياة الطيبة، بل هم الحياة الطيبة التي من دخلها نجى ومن تخلف عنها هلك، هذا الكلام ليس اعتباطا أو تسويقا أو تعصبا وانما يستند الى أقوال مأثورة وسيرة عطرة ومنهج ثابت، يؤسس لحياة طيبة ملؤها الرزق الحلال والقناعة والرضا بما قسم الله تعالى للعباد، وكل من يمتلك هذه المقومات الثلاثة يدخل مدينة الحياة الطيبة من أوسع أبوابها.  

من هذا المنطلق دعا ممثل المرجعية الدينية العليا والمتولي الشرعي للعتبة العباسية المقدسة السيد أحمد الصافي، إلى اعتماد ما جاد به أهل البيت (عليهم السلام) في التأسيس للحياة الطيبة، جاء ذلك في كلمته ضمن فعاليات مؤتمر (معالم الحياة الطيبة عند أهل البيت عليهم السلام)، يوم السبت، 2 مارس 2024م المنعقد تحت شعار (فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً)، تُنظّمه جمعية العميد العلمية والفكرية، وقسم الشؤون الفكرية والثقافية في العتبة العباسية المقدسة ممثّلاً بالمركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية.

قال تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) النحل: 97. كيف نكون من المؤمنين الأخيار، وكيف نستغل دقائق عمرنا في الأعمال الصالحة، وما هي الخطوات التي نخطوها حتى نلتحق بركب الحياة الطيبة، وما هي المحطات التي نرتادها لنحيا بحياة زاهرة ملؤها الحب والتفاهم والايثار، وما هو السر في استجلاب الرحمة الإلهية، وما هي مدارج الكمال لاستحصال الخير في الدنيا والآخرة، وما هي الأمور التي نتبنّاها لكي نعبر من جسر الحياة الطيبة الى حياة أزلية خالدة؟! الاجابة عن هذه الاسئلة وغيرها سنجدها في الكلمة التي ألقاها السيد الصافي في المؤتمر مع توثيق المصادر والروايات التي أستشهد بها؛ نقولها وبكلمة واحدة وبضرس قاطع، ان من ينتهج نهج العترة الطاهرة هو الذي يعيش الحياة الطيبة، ودونها خرط للقتاد!. 

اننا بحاجة إلى منهج يرسم لنا الطريق اللاحب، اننا بحاجة الى أن ندرّس أولادنا هذا الطريق النيّر، ندرّسه في مدارسنا وفي محافلنا وفي مؤسساتنا التربوية، ونقولها من دون تردد انّ الحياة الطيبة تكمن في تحقيق مفاد هذه الآية المباركة: (فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) آل عمران: 148. الآية لا تقتصر على فئة دون أخرى هي تشمل الشاب والمراهق والزوج والزوجة والأب والابن، وانّ الحياة الطيبة ليست حياة تقليدية فحسب، بل ينبغي أن تكون منهجا في المراحل التدريسية، منهجا أكاديميا علميا تتعلمه الابناء جيلا بعد جيل كما تتعلم الرياضيات والكيمياء والفيزياء في الدراسة الأكاديمية، ولكن كيف تكون الحياة الطيبة ضمن منهج حقيقي، يؤسس لحياة أكثر استقرارا وأكثر جمالا وفائدة ونجاة؟!.

الحقيقة التي لا غبار عليها ان الحياة غالبا لا تخلو من المشاكل، وهذه المشاكل تتفاوت سعةً وضيقًا وتعقيدًا، بحسب ما نبلغ نحن من رؤيا إزاء هذه الحياة، في بعض الحالات قد لا تستدعي المسألة منّا أن نتعب ونتشنّج فيها كثيرًا، ونحمل همها كثيرًا، لكنّنا قد لا نفهم طريقة حل هذه المشاكل، فتزداد تعقيدًا، كالذي يرفع رجله من الوحل، ثمّ يضع الأخرى في وحل آخر، وهكذا فان دوامة المشاكل تستمر، بل ربما تتفاقم في قادم الأيام! 

اليوم الدنيا عندما تعاني من تعقيدات الحياة، فالجزء المهم منها، ولعله الجزء الأهم، هو ابتعادها عمّا بيّنه الله تعالى من نهج يوضّح كيف نعيش في هذه الدنيا؟! فالذي خلقنا حاشاه أن ينسى تزويدنا برؤية واضحة عن كيفية العيش في هذه الدنيا بحسب ما قدّر لنا من أعمار، ثم ننتقل إلى عالم آخر أبدي ليس له زوال ولا اضمحلال، وفي هذه الحقبة الانسان قد لا يعلم ما هي الأسس التي يمكن أن يعيشها حتى يتجنّب أكبر خسارة ممكنة في مشواره الحياتي، أمّا الذي يفهم كيف يتعامل مع هذه الدنيا، عليه الاطلاع على أهم القواعد العامة التي بيّنها الله تبارك وتعالى لكي يحيا فيها الحياة الطيبة.

انّنا بشر وما يحتاجه البشر هو غريزة حب البقاء وكذلك غريزة حب الذات، وهنا جاء الشارع المقدس وقنّنها، وفصّل الأمر، فهذا الشي يشبع حياتك، وذاك الشي ينظم أفكارك، وهكذا.. وفق ما بيّنه الأنبياء وجاء به القرآن، وبتطبيقه ستعيش حياةً طيبة، والطيب مقابل الخبيث، تقول هذا شيء خبيث فهو مُنفّر لجميع الطبائع البشرية باختلاف الشرائع والأديان.

قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ* تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ* وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ) ابراهيم: 24، 26. والقرآن الكريم استعمل هذا المصطلح شجرة طيبة يقابلها شجرة خبيثة، الطيب لا يتزوج إلا طيبة مقابل الخبيث ومشتقاته، الخبث يولد حالة من النفرة، فكيف إذا كانت الحياة كلها توسم بأنها حياة خبيثة؟! وفي المقابل تكون الحياة الطيبة، انها لا تعني بخلوّها من المشاكل، بل بالعكس قد تكون المشكلة هي عنوان الطيب، المهم ان هذه المشاكل كيف تواجه؟!.

عندنا كنز كبير جدًّا من المعارف التي تؤسس إلى حياة طيبة، وكلها تريد أن تصل بنا إلى هذه الدوحة المباركة، من ولادة الإنسان إلى مماته بأن يعيش هذه الحياة بكل اريحية وتسامح وسعة صدر، لدينا مواد جيدة وجديرة جدًّا بأن تكون منهجًا للحياة، نعم قد لازلنا نحتاج إلى الصياغات الجديدة والاستفادة المثلى من كلام الأئمة (عليهم السلام)، فهم أرشدونا الى هذا المنهج السديد، عن الامام الرضا (عليه السلام) أنه قال: (علينا إلقاء الأصول وعليكم التفريع) وسائل الشيعة (آل البيت) - الحر العاملي - ج ٢٧ - ص ٦٢.

قطعًا القضية المتعلقة بالحياة الطيبة ليست مختصة بالفقه، بل هي عامة لجملة من الأشياء التي لا نعرفها، لأنّ كلامهم (عليهم السلام) بشؤون الحياة جميعها من الولادة إلى الممات، الأئمة الأطهار (سلام الله عليهم) بيّنوا كثيرًا من الأمور التي يحتاجها الإنسان حتى يعيش هذه الحياة الطيبة، كلكم ترون أنّنا في دعائنا نستقبل القبلة ونوفّر صفات وحالات الكمال تمهيدا لاستجابة الدعاء، كالوضوء والجلوس على السجادة واختيار الوقت المحبب لإجابة الدعاء، واختيار المكان الذي يستجاب فيه الدعاء، ثمّ ندعو الله تعالى، وهذه من الحالات التي ندب إليها الشارع المقدس، ولا شك أنّ هذه حالة ممتازة، قال تعالى: (قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ) الفرقان: 77. الله أمرنا بالدعاء ووعدنا بالإجابة: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) غافر: 60.

في سيرة الأئمة الأطهار (عليهم السلام) هناك حالة ما وراء ذلك، حيث إنّ بعض المفاهيم أُدخلت في الدعاء نتيجة ظروف أهل البيت عليهم السلام، وهي غير خافية على حضراتكم، فالآل (عليهم السلام) لم يعيشوا الحياة العادية، وإنما عاشوا حياةً فيها ضغط لا أعبّر بأكثر من هذا التعبير، لم يجدوا فسحة إلى أن يعبّروا عن كل ما جاءت به السنة المطهرة على لسان النبي (صلى الله عليه وآله)، ليس معلومًا الألف باب التي أعطاها النبي لأمير المؤمنين (صلوات الله عليهم) وكل باب يفتح منه ألف باب، ليس معلومًا أنها ظهرت جميعها إلى الناس، فالسنة النبوية موجودة عند الإمام (عليه السلام) وظهرت إلى الناس جميعًا، وليس معلومًا أنّه قد حصل العكس، وإن كان هناك بعض الروايات لا زال مرهونا عند ظهور صاحب العصر والزمان (سلام الله عليه).

لكن الأئمة طرحوا بعض المفاهيم لأبنائنا من خلال الدعاء، وهذه صياغة خاصة بهم، يعني غير حالة الوقوف بين يدي الله تعالى وطلب الرحمة والاستزادة، غير هذا طرحوا مفاهيم كبيرة لتقويمنا وأيضا للحفاظ علينا، ومن جملتها لعله أدعية الإمام السجاد (سلام الله عليه)، ففيها كنز من المعارف الكبيرة جدًّا، واستنطاق هذه الكنوز يحتاج أن يكون من قبل المختصين، كي يؤسس لمنهج خاص في مقام التربية.

دعاء مكارم الأخلاق من الأدعية الراقية جدًّا حتى إنّ كثيرًا من العلماء - أنا قرأت بعض إجازات العلماء الآخرين - كانوا يوصوهم بدعاء مكارم الأخلاق ودعاء التوبة، للإمام السجاد (عليه السلام)، وبعضهم كان يوصي مثلاً بالاهتمام بنهج البلاغة.

أمير المؤمنين (عليه السلام) أعطى قواعد كثيرة في قصار الحكم، مثلاً رواية تصدر عن الأئمة الأطهار (عليهم السلام) أنّ الناس مجبولة على محبة من أحسن إليها، فعنه (عليه السلام): (من كثر إحسانه أحبه إخوانه) غرر الحكم للآمدي: ٧٦٠١. لاحظوا هذا مفهوم راقٍ جدًّا لا يتكلم عن الإحسان القربوي إلى الله تعالى، بل يتكلم عن الطرف الآخر، أي إنّ الناس تحب من أحسن إليها، النبي يوسف (عليه السلام) كان في السجن وقد خاطبه من حوله من المسجونين: (إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) يوسف:36. فإذن الإحسان إلى الآخرين يولد حالة من المحبة.

علم النفس الآن عندما يدرس عملية التواصل مع الآخرين، يطرح مفاهيم متعددة لغرض التواصل، كيف تكسب الاحترام؟ كيف تكسب المحبة؟ تأتي كلمة مختصرة من أئمتنا (سلام الله عليهم) يقول هذا المقدار اهتموا به، تريدون أن تحصلوا على المحبة أحسنوا إلى الناس، ولاحظوا ما فائدة التجمع في التواصل العائلي، وفي التواصل الأقربائي، وفي التواصل الاجتماعي، بهذه الكلمة، كلمة الإحسان، انّ الإنسان سيكون قطعة من الإحسان، يتفاعل مع الناس وتتفاعل معه في محبة ومودة  واحترام.

ألّف (ديل كارنيجي) أحد علماء الغرب في الأربعينات أو الخمسينات من القرن الماضي كتاباً اسمه (كيف تكسب الأصدقاء؟)، وهو كتاب ذو عنوان شيّق، خصوصاً للشابّ في بداية مراهقته، فالشابّ يحبّ أن يتعلّم هذه الأمور، انه وضع خطوطاً عريضة عن كيفية كسب الأصدقاء، وطرح مبان يرى أنّها فعلاً تؤدّي الغرض، قرأه أحد علمائنا وألّف كتاباً بنفس العنوان (كيف تكسب الأصدقاء؟)، لكن جعل المناط ليس ما قال هذا العالم الغربيّ، وإنّما المناط ما جادت به روايات أهل البيت(عليهم السلام) بحيث دخلت هذه المسألة حتّى في تفاصيل نداء أحدنا للآخر، هل من الأفضل أن تسمّي صاحبك باسمه تقول له (يا علي) أو تقول له (يا أبا حسين)؟ وقال إنّ الكنية بالنسبة للشخص أحبّ، وهكذا المصافحة وأثرها الاجتماعي في تصفية النفوس وازالة الكدورة والبغضاء من القلوب، وبدأ يؤسّس منهجاً من خلال هذه الروايات الشريفة، وهو منهج دائم وشامل لجميع مناحي الحياة.

اليوم الإنسان يحبّ نفسه سواء كان قبل ألف سنة يحبّ نفسه أو الآن أو بعد ألف سنة، هو يحبّ نفسه، وإذا أحبّها، فانه يختار لها الطيّب من الطعام وأيضاً يختار الطيّب من الفكر، وبيّن أنّ هذه تصنع شخصيةً مهمّةً وتعزّز الثقة بالإنسان، وفعلاً الآن الشابّ عندما تكنّيه وتقدّره يشعر بالاحترام أكثر، يشعر بالرجولة أكثر، يشعر بأنّك تحبّه وتحترمه، بينما هو فعل وكلمة صغيرة.

جاء في الحديث النبوي الشريف: (تبسمك في وجه أخيك صدقة) ميزان الحكمة للري شهري، 2، 1597. هناك سعادة تحل بوجود أشخاص معينين حولنا، فالمؤمن هش بش، فهو ضاحك الوجه باسم الثغر، بل اصبح طبعه البشاشة في اغلب الاحيان وفي مختلف الظروف، فاصبح ما يراه ويشعره الناس منه هي السعادة والابتسامة، فهو يضفي جوا من الراحة والصفاء اينما حل وارتحل، وقد كان بعض الناس عندما يزور عالما دينيا لمرّة واحدة يتكلّم عنه ويقول هذا صديقي!! يسألونه كيف صديقك؟! قال: ابتسم في وجهي وسألني عن العائلة، هذا الأخ كان يتصوّر أنّ العالِم يعرفه، بينما هذا العالم سجيّته هكذا، وهذا بالنتيجة حقّق هذه المحبّة التي لا تزال منطبعة كصورةٍ جيّدة في ذهن هذا الشخص تجاهه.

هذا من الناحية الاجتماعية للعلماء الأجلاء، أما الرسائل العملية لمراجع الدين الجامعين لشرائط التقليد من التقوى والأعلمية والعدالة، ان هذه الرسائل تعد بحق منهاج يدلّك على الحياة الطيبة لما فيها من أحكام وفتاوى في شتى شؤون الحياة من عبادات ومعاملات وحدود وديات، بل فيها حلول للكثير من المشاكل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، كلها مستنبطة من الكتاب وسيرة الرسول الاعظم والمعصومين من أهل بيته عليهم السلام. 

ما دمنا على نهج الكتاب والعترة فإننا بخير، اما اذا ما حدنا عنها فإننا لا محالة في هلاك، أمامنا الوضع الاجتماعي، لاحظوا - والعياذ بالله - نسبة الطلاقات الهائلة! يعني المجتمع الآن يخرج بانفصالاتٍ أسرية لأنّه لم يتحمّل أحدهما الآخر، يقع الانفصال على أشياء بسيطة جداً وأحيانا تافهة، يمكن تلافيها بالرجوع الى ثقافة أهل البيت في الصفح والعفو والتسامح، ولكن ومع بالغ الأسف لا أسرة الزوج تفهم كيف تعالج الأمور، ولا أسرة الزوجة تفهم كيف تعالج الأمور، حياتهم لا تتجاوز الأشهر أصلاً، ويكون هؤلاء ضحية هذا الافتراق، لماذا؟ لأنّهم لم يتعلّموا كيفية أن تكون الحياة طيّبة، يتصوّرون ان هذا قدرهم وهو العيش بما هو موجود الآن في الدنيا على ضوضاء الأفكار وعلى تزاحم الثقافات، ليس عندهم حالة رصينة يعرفون كيف يواجهون هذه المشاكل، فتحدث المشكلة.

فلنأتِ إلى رأس المشكلة ونحلّها، هذه المسألة مهمّة أن نرجع بالأمور إلى لبّ المشكلة، أين تكمن المشكلة؟ وهذه الأمور الباقية هي النتاج للمشكلة الرئيسية، وليست المشكلة، الطبيب عندما يأتيه شخص ويقول له ارتفعت درجة حرارتي، يحاول أن يصل إلى المشكلة، ليصف العلاج، فأين المشكلة؟ اقضِ على المشكلة، فينقضي هذا الأثر، كثير من هؤلاء الناس انسلخوا من الدين، وبالنتيجة عندهم أمور بحاجة الى حل، وانما طُرحت لهم حلول بغير منهج الدين، فلم تُحلّ مشاكلهم، أو الناس تشدّدوا بالدين بطريقةٍ لا يرضى بها الله ورسوله، فنفّروا الآخرين من الدين، فأصبح الدين ضحية بين منسلِخٍ عنه ومتشَدِّدٍ فيه.

أمّا الجادّة الوسطى، والطريقة الوسطى، فقليلٌ من يمارسها، وهذا القليل صوته أيضاً واطئ، الصوت النشاز الآن لمن انسلخَ عن الدين ولمن تشدّد في الدين، أمّا الحالة الوسطى التي هي تريح الإنسان، وتعلّمه وتحلّ مشاكله، تهدّئ من هذه الضوضاء، وتجعل الإنسان أفكاره منظّمة، وطريقته منظّمة، هذه الآن أصواتٌ قليلة؛ ولذا هذا المؤتمر المبارك إن شاء الله تعالى بجهد جميع الباحثين نريد أن نؤسّس من خلاله حلولاً، بعد أن نفهم أين المشكلة، حتى يؤسَّسَ لهذه الحياة الطيّبة تأسيسٌ حقيقيّ، فيه قواعد عامة مَن شذّ عنها هو من يتحمّل وزر عمله، ومَن التزم بها يُضمَن له أن يعيش حياةً طيّبة، حياة ملؤها الأمل والاستقرار والطمأنينة.

لا أقول انه لا توجد ثمة مشاكل، فالحياة مليئة بالمشاكل، لكن أيضاً المشاكل تُحلّ بطريقةٍ عقلائية تربوية، وقد تصنع المشاكل للإنسان حالةً من حالات التكامل عنده، الرجوع الى العترة الطاهرة تجعل من حياتك المليئة بالمشاكل الى حياة طيبة تفوح منها رائحة التفاهم والانسجام والمحبة، وهذه الأمور لم تأت اعتباطا وانما تأتي من العزيمة والتواضع والقناعة والايثار، عن الإمام علي (عليه السلام) في وصفه الأنبياء: (ولكن الله سبحانه جعل رسله أولى قوة في عزائمهم، وضعفة فيما ترى الأعين من حالاتهم، مع قناعة تملأ القلوب والعيون غنى، وخصاصة تملأ الأبصار والأسماع أذى) نهج البلاغة: الحكمة 43 و 150. بل ان الحياة الطيبة كلها ترجع الى القناعة ولا شيء غير القناعة، عنه (عليه السلام) لما سئل عن قوله تعالى: ((فلنحيينه حياة طيبة): هي القناعة) نهج البلاغة: الحكمة 229 و 44.



التعليقات