الموظف المتجهِّم
الأحد / 28 / نيسان - 2019
167

علي حسين عبيد

غدا صباحا سوف يباشر في وظيفته الجديدة بإحدى الدوائر الخدمية، منذ شهور وهو يحلم بهذا اليوم الذي سيصبح فيه موظفاً له سطوة إدارية على المواطنين، ومنذ أيام بدأ يعدّ شخصيته لهذا الدور الوظيفي، فقد سمع عن موظف صغير سبقه إلى العمل استطاع أن يبني بيتا من طراز حديث واشترى سيارة حديثة فارهة وتزوج من فتاة يحلم بها الجميع، هو أيضا رسم خارطة لأهدافه في  الحياة وهذه الخارطة لا يمكن تحقيقها إلا بالحصول على نقود كثيرة ووفيرة.

في البداية قال لنفسه يجب أن ألبسَ وجها آخر غير وجهي الذي يبدو عليه الهدوء والطيبة، يجب أن أبدو حازماً متجهماً لمن يراجعني كي أوقِّع على معاملته، صوتي أيضا يجب أن يكون أكثر خشونة، والقسوة هي الصبغة التي تصبغ كل ملامحي، في وظيفتي هذه إذا أردت أن أستفيد بسرعة ووفرة يجب أن أضع الإنسانية والأخلاق ومقاييس الحلال والحرام خلف ظهري.

هكذا حدّث نفسه طويلاً وهو يتدرب على التجهم والقسوة، كان يقضي ساعات أمام المرآة، يتلاعب بتقاسيم وجهه وعينيه، يقطّب حاجبيه، يصبحُ عبوساً، ويجرب صوته ونبرته على الخشونة التي يجب أن ترافق قسوة ملامح وجهه وهو يجيب هذا المواطن أو ذاك، وحين باشر عمله طبق هذه الصفات والشروط بحذافيرها، نعم هي لم تكن موجودة في شخصيته الأصلية، لكنها مع مرور الأيام ومع تحقق النتائج التي كان يرسم لها، صارت تلك الصفات جزء من شخصيته.

فتحوّل وجههُ الهادئ القسمات إلى حاد غاضب ناقم وساخط لا وجود للرحمة فيه، فالمواطن المراجع حين كان يراجعه لا يرى فيه إنسانا بلا يرى فيه وحشاً يريد أن يفترس الناس عبر ابتزازهم، فهو بالإضافة إلى تجهمه وعبوسه وخشونة طباعه ونبرة صوته، كان يبتكر المعرقلات كي تنام معاملة المواطن في أدراج غرفته، حتى يدفع له ما يعتق المعاملة من هذا الموظف الوحش!.

مع مرور الأيام ذابت شخصيته الإنسانية ووجهه الهادئ في شخصيته الوظيفية الجديدة، الغريب أنه لم يستطع العودة إلى طبيعته حتى بعد أن اشترى بيتا وسيارة وصارت لديه سيولة في أحد البنوك، لقد تحوّل إلى شخصية حاقدة جافة قاسية حتى في بيته، مع زوجته وأولاده، ومع أصدقائه ومع محيطه الاجتماعي كله، صار خشن الطباع قاس حاد في نبرة الصوت، فهجره أقرب الأصدقاء، حتى زوجته غادرت البيت والأسرة بسبب خشونة طباع زوجها الذي تحوّل إلى إنسان آخر لا تعرفه!.

سنوات مرّت والموظف المتجهّم على حاله، حادّ القسمات والطباع، حتى بعد أن حقق ما كان يصبو إليه وخطط له، جرّب بينه وبين نفسه أن يتبسّم في المرآة، لكنه فشل واستغرب من هذا الشكل الذي لم يعد يتذكره، جرّب أن يزيح القسوة عن ملامح وجهه فلم يستطع، جرب أن يخفف من نبرة صوته وفشل أيضا، إنه يفشل في الوصول إلى الطبائع السمحة السهلة المطمئنة حتى مع نفسه، فكيف مع الآخرين؟؟.

تناقل الناس حالة هذا الموظف الذي كان يشكل عقبة أمام معاملات الجميع إلا من يرتّب معه مباشرة أو عبر وسيط، ويدفع له المبلغ المتفَّق عليه، عند ذاك تمر المعاملة بسلام، قُدِّمت ضده شكاوى كثيرة لكنها دائما تذهب أدراج الرياح، تضخَّمت ذاته وبلغ غروره الدرجة القصوى، وأخذت ملامحه القاسية تنعكس سلبا عليه هذه المرة، فصار حاد المزاج، لا يتذكر أنه ابتسم في وجه أحد، حتى حين ابتسم لنفسه استغرب شكله ولم يعجبه.

ولَّد هذا الوضع البائس مشاكل للموظف، نفسية وصحية، بدا يلمسها لمس اليد، فقد بدأ ضغط الدم يرتفع لديه، وازداد إقباله على التدخين بشراهة، وقلَّت شهيته بصورة لافتة، وبدأت النحافة تظهر على جسده، والهزال أخذ منه مأخذا، ذبل عوده بسبب توتره الدائم وتجهمه المستمر حتى في نومه، فالشخصية التي صنعها لنفسه في بداية مشواره الوظيفي أبت أن تغادره بعد أن تلبّست به كأنه الثوب الذي غطّى كل ملامح جسمه.

في أحد الأيام خلا كرسي الموظف من وجوده، فاستبشر الناس خيرا، وشاع هذا الخبر بين الجميع، وأخذوا يتناقلون الخبر وازدادت الإشاعات التي تنوعت وتكاثرت، فمنهم من قال أنه نُقِل إلى مكان آخر بعيد، ومنهم قال إنه مصاب بمرض خبيث، وآخرون قالوا إنه قيد الحبس بسبب أخطاء إدارية، غاب عن كرسيه الوظيفي أيام وأناب عنه موظف آخر مختلف تماما، بعد أسبوعين أو أكثر جاء الموظف العبوس المتجهم إلى مكانه الوظيفي يحبو على عكاز بجسد متهالك لا يقوى على رفع رأسه.

تجمهر حوله المراجعون كأنهم يرثون لحاله، تبيّن لهم أن جلطة قاتلة ألمّت به بسبب التجهّم وعدم القدرة على الابتسام والمزاج الحاد ونبرة الصوت الخشنة، هذه الصفات التي تدرّب عليها قبل أن يستلم الوظيفة، ولم يستطع التخلص منها أبداً حتى حين حاول ذلك، هذه الطبائع المصنّعة الدخيلة على فطرة الإنسان هي التي جعلت الموظف المتجهم أضعف مخلوقات الله، يدرج إلى وظيفته ومن ثم إلى بيته على كرسي متحرّك، حتى صار محطّ هزء وسخرية جميع الناس!!.