المال السعودي لشركات الدعاية الأمريكية يفشل في تحسين الصورة.. لماذا؟
الأحد / 28 / نيسان - 2019
150

متابعة - كلمة

رغم إنفاق السعودية مئات الملايين من الدولارات لتحسين صورتها أمام الرأي العام الأمريكي من خلال مؤسسات علاقات عامة وجماعات ضغط متخصصة، لا تزال الصورة سيئة والرأي العام سلبياً والسبب أنه مهما كانت الدعاية جيدة والرسالة مصاغة بشكل احترافي لكن السلعة نفسها فاسدة لن يقتنع أحد بشرائها.

ذلك بالتحديد هو ما رصده توماس ليبمان مدير مكتب صحيفة واشنطن بوست السابق في الشرق الأوسط والخبير في شؤون الشرق الأوسط والعلاقات الأمريكية السعودية لأكثر من أربعة عقود في تقرير له بعنوان «منتج السعوديين يجافي رسالتهم» نشره موقع Lobe Log الأمريكي السبت 27 أبريل/نيسان 2019.

مال لتلميع الصورة

منذ أثار الحظر العربي على النفط بين عامي 1973 و1974 غضب الأمريكيين لتسبُّبه في ارتفاع أسعار البنزين وتراص الطوابير الطويلة أمام مضخات الوقود، أنفقت السعودية بسخاءٍ في الولايات المتحدة على جهود تلميع صورتها بين الأمريكيين، فقدَّم السعوديون عقوداً مربحة لشركات المحاماة والعلاقات العامة، وتبرَّعوا لمراكز الأبحاث والجامعات الليبرالية سعياً لتحسين سُمعتهم.

لكنَّ أموالهم في الغالب ذهبت هباءً، إذ تستمر المملكة في تصدُّر عناوين الأخبار التي تصرف الناس التي تحاول المملكة كسبهم. ولدى السعودية شركاء في قطاع الأعمال وفي العمليات الأمنية، لكن إن كان لها معجبون –بخلاف الرئيس دونالد ترامب- فهم ليسوا ظاهرين.

مثال واضح على الفشل

اتضح أحدث مثال قبل أيام، حين أعلن السعودييون بلا حرج أنَّهم قد أعدموا 37 رجلاً أُدينوا في محاكماتٍ جماعية. وطبقاً لمنظمة هيومن رايتس ووتش: «33 على الأقل من أصل الـ 37 شخصاً من الأقلية الشيعية في البلاد وأُدينوا في أعقاب محاكمات جائرة لمختلف الجرائم المزعومة، منها الجرائم المرتبطة بالاحتجاج، والتجسس، والإرهاب. هذا الإعدام الجماعي هو الأكبر منذ يناير/كانون الثاني 2016، حين أعدمت السعودية 47 رجلا بتهمة ارتكاب جرائم إرهابية».

وتضمَّنت الجرائم التي أُدينوا بها «دعم التظاهرات» و«تشوية سُمعة المملكة» و«نشر التشيُّع» في السعودية، حيث الإسلام السُنّي هو الدين الرسمي.

وفي الأسبوع السابق على ذلك، أجَّل السعوديون مجدداً محاكمة 11 ناشطة في حقوق المرأة، بينهن شخصيات بارزة ومشهورة، الأمر الذي جعلهن يبقين في السجن، حيث يمكثن منذ العام الماضي. وتجاهلت الحكومة التقارير واسعة الانتشار التي تفيد بتعرُّض السيدات للتعذيب والاعتداء الجنسي أثناء الاحتجاز.

أفعال تجعل المهمة مستحيلة

وفي أعقاب مقتل الصحفي جمال خاشقجي في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، والذي يقول مسؤولو الاستخبارات الأمريكية إنَّه كان بتدبيرٍ من حاكم المملكة الفعلي ولي العهد محمد بن سلمان، لم تُسهِم تلك الأحداث في تعزيز موقف المملكة بين الأمريكيين.

في الماضي، أذكى السعوديون الكراهية لهم، بل وحتى العداء، بين الأمريكيين من خلال الأحداث التي تتراوح من عمليات القتل الجماعي في هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول وحتى التصريحات السخيفة من القيادات الدينية، مثل فتوى 2013 الشهيرة التي تؤكِّد أنَّه لا ينبغي السماح للنساء بقيادة السيارات لأنَّ ذلك سيؤدي لإيذاء المبايض.

ومع ذلك، يستمر السعوديون سنةً بعد أخرى في دفع الأموال من أجل حل مشكلة صورتهم.

وكلاء للحكومة السعودية

ويتعيَّن على الشركات والأفراد الأمريكيين الذين يُمثِّلون مصالح حكوماتٍ أجنبية التسجيل لدى وزارة العدل الأمريكية. وتُظهِر القائمة الحالية للوكلاء المُسجَّلين لدى الوزارة 31 منظمة وفرداً يُدرِجون أنفسهم باعتبارهم عملاء يُمثِّلون الحكومة السعودية أو مجموعات سعودية مملوكة للدولة. وتضم القائمة بعضاً من أفرع المؤسسات السعودية في الولايات المتحدة، مثل شركة Aramco Affiliated Services Co.، وتضم كذلك شركات قانون وضغط (لوبي) بارزة مثل شركة Hill and Knowlton.

ومؤخراً في فبراير/شباط الماضي، حين تخلَّت بعض الشركات في واشنطن عن تمثيل السعوديين بسبب حالة الغضب الشعبي وغضب الكونغرس على خلفية مقتل خاشقجي، أفادت تقارير بأنَّ السعوديين يتفاوضون مع شركة Vice Media من أجل الإنتاج المشترك لأفلام وثائقية تحتفي بالتحديث الاجتماعي في المملكة المحافظة تحت قيادة محمد بن سلمان.

ووفقاً لبن فريدمان، مدير مبادرة الشفافية في التأثيرات الأجنبية بمركز السياسة الدولية: «تُظهِر سجلات قانون تسجيل العملاء الأجانب المُقدَّمة عام 2017 أنَّ السعوديين أنفقوا قرابة 27 مليون دولار على شركات الضغط (اللوبي) وشركات العلاقات العامة، وهو تقريباً ثلاثة أضعاف ما أنفقوه عام 2016. ويُظهِر المزيد من التحليل لسجلات قانون تسجيل العملاء الأجانب لعام 2017 أنَّ تلك الشركات تواصلت مع أعضاء في الكونغرس، وإدارة ترامب، ووسائل الإعلام، ومراكز أبحاث مختلفة أكثر من 2500 مرة. وقدَّمت نحو 400 ألف دولار في المساهمات لحملات أعضاء بمجلسي النواب والشيوخ الذين تواصلت معهم نيابةً عن العملاء السعوديين. وقُدِّمَت 11 مساهمة من تلك المساهمات في نفس اليوم الذي جرى فيه التواصل مع الأعضاء نيابةً عن السعودية».

من السهل على السعوديين إنفاق المال على العلاقات العامة وجهود الضغط، لكن كما علمتُ في عديد من المحادثات في المملكة على مدار العديد من السنوات، لا يبدو أنَّهم يدركون أنَّ المستهلكين الامريكيين سيشترون منتجاً فاسداً، مهما كانت مهارة الإعلان عنها. وحتى الأكاديميين ومديري الشركات السعوديين الذين تعلَّموا في الولايات المتحدة –والأشخاص الذين بأصدقاء مقربين في أمريكا لسنوات- متحيرين من أنَّ تلك العلاقات الشخصية لا تنعكس في الشعور الأمريكي الجمعي تجاه بلدهم ومجتمعهم.

ربما كان المثال الأكثر وضوحاً هو تصويت الكونغرس في عام 2016 على مشروع قانونٍ من شأنه السماح للناجين من أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول وأقارب الضحايا بمقاضاة الحكومة السعودية، عارض السعوديون وشركات الضغط التي تتحصَّل على أموالٍ منهم بشدة على مشروع القانون هذا، واستخدم الرئيس باراك أوباما حق النقض (الفيتو) ضده. لكنَّ الكونغرس تجاوز هذا الفيتو، بتصويتٍ بلغ 97 مؤيد مقابل رافض واحد في مجلس الشيوخ، و348 مؤيد مقابل 77 رافضين في مجلس النواب.

غياب التمثيل الرسمي

ولعل بلداناً أخرى قد لجأت للحصول على مساعدة اللجان الحزبية في الكونغرس لتعزيز تحسين العلاقات بين تلك البلدان والولايات المتحدة. فهناك لجان تُرحِّب بالعلاقات مع بلدان تتراوح من أذربيجان وحتى فيتنام. لكن لا توجد لجنة خاصة بالسعودية لأنَّ الأعضاء ليس لديهم ما يكسبونه سياسياً من احتضان بلد يُربَط على الصعيد الشعبي بارتفاع أسعار النفط وأعمال الإرهاب.

يُقدِّر الجيش الأمريكي والمسؤولون الأمنيون السعودية باعتبارها شريكاً في محاربة الإرهاب وتعزيز الاستقرار في منطقة الخليج. وهذه الشراكة قائمة منذ عام 1945 وتجاوزت العديد من التوترات الجدية، بما في ذلك حظر النفط وهجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول. لكن لا يوجد أي مبلغ من أموال الضغط يمكنها ترقية الشراكة إلى مستوى تحالفٍ للأفكار والمُثُل.

عربي بوست