تحديات التنويع الاقتصادي في العراق
الخميس / 25 / نيسان - 2019
122

حامد عبد الحسين الجبوري

تعترض عملية تنويع الاقتصاد العراقي الكثير من التحديات التي أصبحت عائقا أمام تحقيقه والتي ينبغي في بداية الأمر تشخيصها ثم معالجتها

تعاني أغلب البلدان الأحادية، وبالخصوص التي يشكل الريع النفطي فيها مصدر رئيس للاقتصاد، من مشاكل جمّة سياسية واقتصادية واجتماعية وبيئية وغيرها، ولتلافي هذه المشاكل أو التخفيف من حدّتها لجأت نحو التنويع الاقتصادي الذي لا تعترض نجاحه فحسب بل البدء به الكثير من التحديات التي عرقلت تحقيقه وخاصةً في العراق.

ما الهدف؟

إن الإقدام على التنويع الاقتصادي دون تشخيص التحديات التي تواجهه ومن ثم مُعالجتها، سيُفضي هذا الأمر، إلى هدر الكثير من الموارد، المالية والمادية والبشرية والطبيعية، ويحتاج المزيد من الوقت لتحقيقه. ولذا ومن أجل تسريع وتيرة التنويع الاقتصادي وتجنب الهدر واكتساب الوقت لأبد من تشخيص التحديات التي تواجه عملية تحقيقه منُذُ البداية.

ما أهمية ذلك؟

تنبع أهمية تشخيص تحديات التنويع الاقتصادي من الإسراع بتحديد الخطوات اللازمة لمعالجتها ومن ثم ضمان مسيرة التنويع الاقتصادي بشكل سليم، وهذا ما يؤدي إلى تقليص الآثار السلبية الناجمة عن ريعية الاقتصاد وانعكاساتها على الجوانب الأخرى، من جانب، وتمتع الاقتصاد الوطني بالسمات الإيجابية المرافقة لعملية التنويع الاقتصادي، فيكون اقتصاداً متيناً مستديماً من جانب آخر.

أنواع التحديات

هناك العديد من التحديات التي تواجه عملية التنويع الاقتصادي في البلدان الريعية والعراق من بينها، منها تحديات داخلية وأخرى خارجية.

التحديات الداخلية

1- هيمنة الدولة والريع النفطي على الاقتصاد، حيث لاتزال الدولة تهيمن على أهم عناصر الإنتاج المتمثلة بالأرض حيث تستحوذ على أكثر من 80% من الأراضي والمتبقي 20% مملوك من قبل الأهالي يتكون جزئه الأعظم من الأراضي السكنية، كذلك هيمنتها على القطاع النفطي وتوجيه إيراداته لخدمة الطبقة الحاكمة وطموحها بعيداً عن طموح الشعب واحتياجاته والفقرة اللاحقة تُثبت ذلك.

 أما بالنسبة للريع النفطي حيث نلاحظ ارتفاع نسبة مساهمة النفط إلى أكثر40% من الناتج المحلي الإجمالي مقابل انخفاض مساهمة القطاعات الأخرى فيه وخصوصا الزراعة والصناعة التحويلية حيث لم تتجاوز نسبهما في الغالب 5% من الناتج، كما تتجاوز نسبته الـ90% من الإيرادات العامة والصادرات السلعية مقابل انخفاض مساهمة الإيرادات الأخرى والصادرات السلعية حيث لم تتجاوز 10% بالمتوسط إلا في بعض الاستثناءات.

فهيمنة الدولة بشكل وآخر ومزاحمة القطاع الخاص من جانب وسيطرة الريع النفطي على الاقتصاد من جانب آخر، يُعدان من أبرز تحديات تنويع الاقتصاد العراقي، لان القطاع الخاص والقطاعات الأخرى مالياً وإنتاجا يمثلان جوهر التنويع الاقتصادي.

2- غياب المناخ الاستثماري، يُعد غياب المناخ الاستثماري أحد التحديات الرئيسة التي تواجه عملية التنويع الاقتصادي في العراق كونه يسهم في طرد الاستثمارات الوطنية فضلاً عن الاستثمارات الأجنبية، إذ أن ضعف المناخ الاستثماري يعني مزيد من الفساد وهذا ما يرفع من تكاليف الإنتاج ومن ثم انخفاض القدرة التنافسية فتكون عملية التنويع عملية شاقة. وما احتلال العراق المرتبة 168 من أصل 190 دولة في مؤشر ممارسة أنشطة الأعمال الذي يصدره البنك الدولي، إلا نتيجة لارتفاع الفساد في العراق حيث احتل المرتبة 168 من أصل 180 دولة في عام 2018 حسب مؤشر مدركات الفساد العالمي، وهذا ما انعكس على القدرة التنافسية للمنتجات العراقية.

التحديات الخارجية

1- تذبذب أسعار النفط

يُعد تذبذب أسعار النفط أحد تحديات التنويع الاقتصادي في العراق لأنه مالياً واقتصادياً يعتمد على الريع النفطي بشكل كبير جداً، فأي تذبذب في أسعار النفط، لأسباب قد تكون سياسية أو اقتصادية او مناخية أو غيرها، سينعكس بشكل مباشر على الريع النفطي الذي يمثل ركيزة المالية العامة إيراداً وانفاقاً، وينعكس أيضاً بشكل غير مباشر على الاقتصاد وذلك من خلال تأثيره(التذبذب) على المالية العامة التي لاتزال تمثل ركيزة الاقتصاد العراقي انتاجاً واستهلاكاً واستيراداً وتصديراً.

ان غياب الاستقرار المالي، كنتيجة لأحادية الإيراد وتذبذبه، سينعكس بلا شك على التخصيصات الاستثمارية وليس الجارية(الاستهلاكية) وذلك بسبب عدم مرونة هذه الأخيرة لان المجتمع لايستجيب لأي انخفاض في اجوره ومرتباته وخدماته، فتكون النتيجة انخفاض التخصيصات الاستثمارية اللازمة والداعمة للقطاعات الإنتاجية المتنوعة.

 ما رافق تذبذب أسعار النفط وتأثيراته، التوجه الجديد نحو اقتصاد السوق الذي يفرض على الدولة الانسحاب من الاقتصاد، وهذا ما يترتب عليه تقليص اهمية الدولة بالقطاعات الإنتاجية. ففي الوقت الذي سحبت الدولة يدها من الاقتصاد وبالخصوص القطاعات الإنتاجية كالزراعة والصناعة التحويلية لايزال اقتصاد السوق لم يأخذ دوره الفعّال وذلك لأسباب ذاتية تتعلق بضعف القطاع الخاص من جانب، وأخرى موضوعية تتعلق بغياب المناخ الاستثماري المذكور آنفاً، وبالتالي ظل التنويع الاقتصادي يعاني من تحدي غياب الإرادة المسؤولة عن تحقيقه.

2- المنافسة الاجنبية

ان الانتقال المفاجئ والمزدوج سياسياً واقتصادياً عام 2003 وبدون وجود خطط مدروسة، بالتزامن مع شيوع العولمة التي تدعو إلى إزالة الحدود وتحرير التجارة، أصبحت حدود العراق مفتوحةً على مصراعيها أمام السلع الأجنبية دون رقابة وتدقيق مما جعل هذه السلع تنافس السلع المنتجة محلياً وعدم قدرة هذه الأخيرة على مقاومة السلع الأجنبية مما أضطرها إلى إغلاق أبوابها أو تخفيض إنتاجها، لان أغلب المنتجات العراقية كانت تنتج من قبل القطاع العام أو تعمل في ظل الحماية التي كانت توفرها الدولة.

جانب آخر أسهم في ضعف تنافسية المنتجات المحلية ألا وهو سعر صرف الدينار العراقي مقابل الدولار الامريكي، فكلما يرتفع سعر صرف الدينار العراقي نتيجة لزيادة الطلب عليه او زيادة معروض الدولار الامريكي بفعل الصادرات النفطية، كلما يعني ارتفاع اسعار السلع المنتجة محلياً أمام المستورد الأجنبي ثم انخفاض الطلب عليها، وهذا ما يسهم في تراجع الانتاج وانخفاض تنوعه.

فالحدود المفتوحة على مصراعيها أمام السلع الأجنبية وارتفاع سعر صرف الدينار العراقي، كلا الأمرين أسهما في ضعف تنافسية السلع المنتجة محلياً ولم يتم العمل لحد الآن على هذه الأخيرة حتى تكون قادرة على المواجهة والمنافسة للسلع الأجنبية، وهذا ما يعني انخفاض الصادرات التي تعد بوابة التنويع الاقتصادي.

أبرز المقترحات

 وبعد تشخيص أهم تحديات التنويع الاقتصادي لابد من تحديد أبرز الخطوات اللازمة لتلافي تلك التحديات والإسراع في تحقيق التنويع الاقتصادي وكما يأتي:

أولاً: تقليص تدخل الدولة في الاقتصاد بشكل تدريجي لتفسح المجال أمام القطاع الخاص ليأخذ دوره الفعّال في تحقيق التنويع الاقتصادي، والتخلي عن الأراضي التي تملكها وتوزيعها على القطاع الخاص وفقاً لمعيار الأهلية والاستثمار بعد سد الحاجة الضرورية للسكان، ويقتصر دورها في المشاريع التي لا يستطيع القطاع الخاص الإقدام عليها والإشراف عليه لضمان عدم تجاوزه الحدود المطلوبة كأن يلجأ الاحتكار أو الغش أو غيرها.

ثانياً: ضرورة العمل على توفير المناخ الاستثماري الجاذب للاستثمار كالوضع الأمني والسياسي والإداري بصورة عامة والامتيازات والضمانات والإعفاءات للمستثمر بصورة خاصة، وهذا ما يسهم في توطين الاستثمار المحلي من جانب وجذب الاستثمار الأجنبي من جانب آخر.

ثالثاً: انسجاماً مع التوجه الجديد نحو اقتصاد السوق يمكن اعتماد مبدأ الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص لتفعيل القطاعات الإنتاجية التي تمثل جوهر التنويع الاقتصادي، لان القطاع الخاص لايزال في بداية انطلاقه ولا يستطيع تولي الأمر وحده بشكل مفاجئ.

رابعاً: العمل على تنويع مصادر الطاقة وصادراتها لتجنب تذبذب أسعار النفط وآثارها على المالية العامة انفاقاً وايراداً التي تنعكس على عملية التنويع الاقتصادي أخيراً سواء يشكل مباشر أو غير مباشر.

خامساً: العمل على توفير الحماية للمنتجات المحلية من المنافسة الأجنبية على الأقل في بداية الأمر حتى تكون قادرة على المواجهة ثم التخلي عن تلك الحماية بشكل تدريجي.

سادساً: كلما يكون سعر الدينار العراقي سعر منخفض كلما يجعل المنتجات العراقية أقل سعراً أمام المستورد الأجنبي وهذا يدفعه لزيادة الطلب عليها فيتحرك الجهاز الإنتاجي العراقي بترابطاته المختلفة فيحدث التنويع الاقتصادي. وعليه لابد أن يأخذ البنك المركزي هذه المسألة بعين الاعتبار.

* باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-2019