العراق: من العلمانية المتشددة الى الاسلام السياسي
الخميس / 18 / نيسان - 2019
210

علاء حميد

يقع من يريد فهم مرحلة ما قبل 2003 في العراق، تحت تأثير صورة نمطية تجعله يسلم بالشائع والظاهر، وهذا لا يعني تبريرا لما حصل واعطاءه معنى مقبولا، انما تمنع هذه الصورة النمطية؛ عدم الالتفات الى ان ما جرى كانت تحركه دوافع وعوامل ليست كلها ذات طابع واحد.

ولذلك يأتي الاطلاع على بحوث الدكتور اماتزيا بارام مدير مركز الدراسات العراقية في جامعة حيفا في اسرائيل، مكملا لمحاولة اكتشاف عوامل أخرى تختلف عما سلمنا به، وتغاير عدة تصورات قبلنا بها، اذ نلمس المتابعة المعمقة من قبل بارام للتحولات التي مر بها حزب البعث منذ 1968-2003، اذ حملت هذه التحولات سمات أيديولوجية وسياسية، والتي تفاجأنا بانتقالها من أقصى اليسار الى أقصى اليمين.

يعرض بارام توصيفا لتلك التحولات، حين طلب صدام في العام 1986، عقد اجتماع طارئ ومغلق للقيادة القومية للحزب، وهي اعلى مؤسسة أيديولوجية لدى النظام البعثي.

ليقدم في هذا الاجتماع مقترحا مخالفا لكل توجهات الحزب "بعقد هدنة، بل حتى تحالف ضمني مع الاخوان المسلمين السودانيين والمصريين"، هذه المفارقة التي ركز عليها بارام، والتي رآها تحولا غير مسبوق في أيديولوجية حزب البعث، ولهذا سعى الى تحليل أسباب التحول.

يعلل بارام تقديم صدام لمقترحه المفارق لما هو شائع عن حزب البعث، كونه تنظيم ايديولوجي ذي صبغة علمانية ذات منحى قومي، لا يقترب من الدين بل ويتحسس من حضوره عند من ينتمي اليه، يجد بارام ان صراع البعث مع ايران الاسلامية، قد وضعه امام مطلب الكشف عن مكانة الدين في ايديولوجية البعث والادق عند صدام، ولذلك كان هذا الهاجس قديما منذ نهاية سبعينيات القرن الماضي، والذي دفع البعث للتعاون مع الاخوان المسلمين في سوريا، اذ لم يتطلب هذا التعاون تغيرا ملحوظا في ايديولوجيا البعث.

يشير بارام في بحثه، الى ان اجتماعا سريا جرى عقده بين في بغداد اواخر أيلول العام 1982، ما بين مسؤولين رفيعي المستوى في حزب البعث، ووفد عالي المستوى يمثل الاخوان المسلمين السوريين، المفاجئ لوفد البعث المفاوض ان الاخوان السوريين عرضوا مقترحا بسن دستور مشترك ينص على "أن الاسلام هو المصدر الوحيد للسلطة القانونية"، رفض البعثيون هذا المقترح، واكتفى وفد حزب البعث، وبتوجيه من صدام بعمل تعاون خاص بين البعث والاخوان في سوريا.

قد يكشف هذا التحول في توجه البعث وصدام عن تناقض؛ مصدره كيفية الاقتراب من بناء سياسي وايديولوجي نقيض، لما تبناه البعث منذ لحظة تأسيسه في اربعينيات القرن الماضي.

يربط بارام بين مجريات الحرب مع ايران، وما اخذ يحصل في توجهات ايديولوجيا البعث، فالعراق قد خسر جزيرة الفاو وهناك ميل دولي بأن العراق ممكن ان يخسر الحرب، فضلا عن ذلك تركيز الدعاية الايرانية على الجذور الايمانية لمؤسس الحزب "ميشيل عفلق" وعلاقة صدام بالدين، ولذلك تجلى حجم الايذاء الذي تسببت به هذه الدعاية في اجتماع القيادة القومية لحزب البعث، في عام 1986، اقترح أحد المشاركين بضرورة ان يطلب العراق من زعيمي الاخوان المسلمين السوريين الاكثر نفوذا – بل الاكثر اعتدالا – سعيد حوى وعدنان سعد الدين ان يذهبا الى مصر والسودان لإنقاذ العراق.

يعزز بارام مقاربته التي تركز على التحول الحاصل في ايديولوجيا البعث، بذكر ان مقترح عضو القيادة القومية، كان يتضمن اخبار زعيمي الاخوان المسلمين في مصر والسودان نظائرهم في هذين البلدين "بأن ميشيل عفلق مؤسس حزب البعث، ليس ملحدا، ويقدمان امثلة لهم من خطابات عفلق وصدام بانهم "مؤمنون"، وقد نال هذا المقترح اهتمام القيادة القومية.

يلاحظ بارام ان الصراع بين العلمانية والاسلامية، بدأ يأخذ طابعا شخصيا عند صدام، لينعكس بعد ذلك على متبنيات الحزب، على الرغم من أن صدام قدم آواخر 1977 سلسلة محاضرات ذات طابع استرشادي عن موقف الحزب من العلاقة ما بين الاسلام والسياسة، وفي هذه المحاضرات أعلن صدام أن البعث لا يمزج الدين بالسياسة "حزبنا مع الايمان، لكنه ليس حزبا دينيا، ولا ينبغي أن يكون حزبا دينيا"، الملفت ان صدام عرّف الشريعة بأنها "فقها قديما" ولا تتوافق مع الحياة في العصر الحديث.

لغاية الآن بقيت غائبة عن الباحثين، تناول العلاقة بين حزب البعث والمسألة الدينية في البلدان التي ظهر فيها أو كان له دور في سلطتها، كما في العراق، سوريا، السودان، واليمن والاردن، دفع ما حصل في ايران العام 1979، حزب البعث الى الاهتمام "بالظاهرة الدينية"، اذ تناولها في مؤتمره التاسع الذي انعقد العام 1982، واظهر قلقا من تناميها بين الشباب عموما والعراقيين الشيعة خصوصا، وعزا ذلك الى نمط الشخصية العراقية "المعبأة بالتقاليد والمشاعر ورود الافعال المتطرفة".

يجعلنا بحث اماتزيا برام، نعيد التفكير بالطريقة التي فهمنا بها البعث، وما فعله في العراق، لأننا لغاية الان، لا نريد الخروج من نمط تصور انه حزب شمولي وأداره دكتاتور، وهذا فعلا متحقق، وبذلك لدينا أسباب ناجزة لتفسير ما فعل وارتكب من انتهاكات بحق العراق ومجتمعه، وبذلك نفقد الالتفات الى فهم العوامل الاخرى التي اسهمت في تشكيل رؤية البعث للدولة، وكأننا واقعين تحت تأثير تفسير سلوك البعث وسلطته بعامل واحد لا غير.

الصراع مع ايران، اجبر البعث وسلطته على العودة الى مفاهيم حاول تخطيها او اهمالها، وكذلك الاختلاف الحاصل في توجهات الهوية الاجتماعية في العراق، وضعت البعث، امام تحدي فهم هذا الاختلاف سلبا أو أيجابا، اننا بحاجة الى مراجعة تجربة البعث لكي نتجنب تكرار أخطاء الماضي ولو بشكل غير مباشر، اذ مازال ظلال سطوة صدام والبعث حاضرة في الذهنية العراقية رفضنا ذلك او قبلناه على مضض.