الحرس الثوري الإيراني إرهابياً.. ماذا بعد؟
الأربعاء / 17 / نيسان - 2019
325

إياد الدليمي

جاء القرار الأميركي بإدراج الحرس الثوري الإيراني في لائحة الإرهاب متماشياً مع الحملة الأميركية التي تقودها إدارة الرئيس دونالد ترامب للضغط على إيران، في أعقاب قراره الانسحاب من صفقة النووي التي وقعها سلفه باراك أوباما مع إيران. وعلى الرغم من أنه كان متوقعا، إلا أن القرار يشكل سابقة في تعامل الولايات المتحدة مع الدول، كونه لأول مرة يصنف جيشاً نظامياً تابعاً لدولة أجنبية على لائحة الإرهاب، ما شكّل ضربةً قويةً لإيران التي تنازع من أجل تلافي نتائج (وانعكاسات) العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها من الولايات المتحدة، والتي ستدخل مرحلة جديدة من التأثير في شهر مايو/ أيار المقبل، عندما تدخل الدول الثماني المستثناة من شراء النفط الإيراني في قانون العقوبات الأميركي.

تكمن أهمية العقوبات الأميركية على الحرس الثوري الإيراني ووضعه على لائحة الإرهاب في ما يمثله هذا الكيان العسكري من ثقل اقتصادي لإيران، فالحرس الثوري الذي يقدّر عدد مقاتليه داخل إيران بنحو مائة ألف مقاتل، ويدير برامج الصواريخ البالستية بحسب بيانات خدمة أبحاث الكونغرس، فإنه أيضا يعد ذراعا اقتصادية للنظام الإيراني، فهو يدير شركاتٍ عديدةً داخل إيران وخارجها، هذا بالإضافة إلى شبكةٍ مصرفية واسعة.

وبحسب بيانات أميركية، يسيطر الحرس الثوري الإيراني على 20% من اقتصاد إيران، ما يعني أنه سيكون للعقوبات عليه في هذا التوقيت تأثير مباشر على الاقتصاد الإيراني بشكل عام، وهو الذي يترنّح بسبب العقوبات الأميركية. وتكمن أهمية الحرس الثوري بالنسبة للنظام في إيران بوجوده في دول عديدة، من خلال مليشيات محلية قام بالإشراف عليها وتدريبها وتمويلها، وتقوم، نيابة عنه، بمهام كثيرة، فهناك أكثر من 30 مليشيا عراقية مرتبطة بالحرس الثوري، ولا يعرف عدد المليشيات التي دربتها وسلحتها إيران في سورية، بينما يعتبر حزب الله اللبناني صنيعة إيرانية بامتياز، ويخضع بشكل تام للحرس الثوري، وكذا الحال بالنسبة للحوثيين في اليمن الذين يعتمدون بشكل كبير على الحرس الثوري وتمويله. ومن هنا أهمية العقوبات عليه، ولكن السؤال الأكثر أهمية: إلى أي حد يمكن أن تؤثر هذه العقوبات على قوة عسكرية نظامية مسلحة سعت، منذ نحو ثلاثة عقود، لتكون الواجهة الأولى في إيران، تارة علنا وتاراتٍ أخرى بشكل متخفٍ؟

على أرض الواقع، من سيتأثر من هذه العقوبات هو الاقتصاد الإيراني بالدرجة الأولى، فللحرس الثوري تعاملات اقتصادية واسعة مع الخارج. وبحسب تقرير لوزارة الخزانة الأميركية، فإنه يمتلك شبكة مصرفية واسعة في الإمارات، ولديه تعاملات مالية ضخمة في أميركا اللاتينية، هذا بالإضافة إلى احتكاره التجارة مع العراق، من خلال الشركات التي يسيطر عليها. وتعتقد الولايات المتحدة أن هذا القرار يمكن أن يسهم في الحد من انتشار الحرس الثوري خارج إيران، وأن يزيد من تردي الوضع الاقتصادي الإيراني، وهو أمر قد يكون ممكناً، خصوصا في ظل معطيات سابقة للتصنيف الأميركي تؤكد أن إيران بدأت فعلياً تقلص مساعداتٍ، وتمويلها لمليشياتها في الخارج، ومنها حزب الله، كما ذكرت صحيفة وول ستريت جورنال الأميركية.

السؤال الأهم: أليس في وسع الحرس الثوري الإيراني إيجاد بدائل، والاعتماد عليها لتمويل عملياته في الخارج، من دون أن يستنزف الميزانية الإيرانية، ويتمكن أيضاً في الالتفاف على العقوبات الأميركية؟ بالعودة إلى العقوبات التي فرضتها إدارة الرئيس السابق، باراك أوباما، نجحت إيران في الالتفاف على العقوبات الاقتصادية، ولم تخفض مدفوعاتها لمليشياتها الخارجية، فلدى إيران خبرة طويلة في التعامل مع مثل هذه العقوبات، لكن ما لا يجب أن يغيب عن البال أيضا أن الوضع حالياً مختلف، والعقوبات أشد، وإيران تأثرت بطريقة أكبر من العقوبات السابقة.

يبقى العراق ثقباً أسود بالنسبة للعقوبات الاقتصادية الأميركية على إيران، فالولايات المتحدة

استثنت العراق من بعض العقوبات التي فرضت على إيران. وفي موقفه الرسمي، أعلن العراق رفضه هذه العقوبات، وبات اليوم يتحدّث صراحة عن أنه لا يمكن أن يوفر مصادر الطاقة لمحطاته الكهربائية، إلا من إيران، وهناك مطالب حكومية عراقية بضرورة تمديد فترة الاستثناء. أما بالنسبة للحرس الثوري الإيراني، فإن عناوينه في العراق كبيرة وكثيرة ومتعدّدة. وبالتالي، ستبقى العقوبات الأميركية على الحرس الثوري وتصنيفه على لائحة الإرهاب ناقصةً، إذا لم تشمل عناوينه في العراق.

ما يمكن قوله إن المراد من التصنيف الأميركي للحرس الثوري على لائحة الإرهاب تضييق الخناق الاقتصادي على إيران، ولا تفكر واشنطن في أن يتطور الأمر إلى استهداف عناصر هذه القوات الإيرانية، أو حتى المليشيات المرتبطة به، كما قد يتوهم بعضهم، فالولايات المتحدة تسعى إلى مزيد من التضييق الاقتصادي على إيران، علَ ذلك يدفع النظام إلى الجلوس إلى طاولة مفاوضات نووية جديدة بشروط أميركية أخرى غير التي وقعها أوباما.

لا مواجهة عسكرية إيرانية أميركية قريباً، كل ما في الأمر مزيد من الضغط الأميركي يقابله مزيد من العنت الإيراني، لكسب الوقت، وصولاً إلى انتخابات 2020 التي قد يدخل البيت الأبيض فيها شخصٌ آخر غير ترامب. وقتها يمكن أن تتنفس إيران الصعداء.