معاناة أن تكون في الوسط!!
الثلاثاء / 16 / نيسان - 2019
242

علي البدري

عملي بوظيفة التدريس يتطلب مني ان اعمل في مناطق متعددة، فمرة عملت في مدرسة لمنطقة فقيرة جداً، وأنا أدخل هذا الحي بسيارتي الخاصة كانت نظرات الشباب تلاحقني وكأنني من الطبقة المترفة التي لا تعلم بآلام الناس وهموها، تلك الطبقة التي يولد فيها الفرد وفي فمه ملعقة ذهب، أولائك الذين يتميزون ببشرة بيضاء ترفه لم تحرقها الشمس يوماً ولم يلامسها التراب والعرق، مع انني أسمر وببشرة حنطية واضحة

نظرات تجلدك من رأسك الى أخمص قدمك وتتابع كل تفاصيل ملابسك وسيارتك، وعندما يتحدثون معك تجد في لحن قولهم نوع من الاستصغار بأنك لم تعاني ولم تتعب فيما أنت فيه، ولا فضل لك او ميزة وكأنك وجدت شهادتك تحت مخدتك حينما استيقظت بعد الساعة العاشرة صباحاً، وسيارتك المتوسطة جاءتك هدية بمناسبة اكمالك وجبة الغداء، وملابسك تنمو في خزانتك كأي نبات طبيعي لا تبذل فيه جهد،

هذه الطبقة الاجتماعية متماسكة ولا تستطيع ان تنتقد أحدهم فإشارة واحدة حتى وان كانت غير متفق عليها ممكن أن تجمع حولك عشرات الشباب الحاملين (تواثي وسچاچين وبواري وسلاسل وأرجل كراسي مخلوعة ) ومختلف الأحجام من (طابوك وحصو وبقايا التبليط المتكسر) انهم كعصابة زومبي لا يأبهون للقانون ولكل فرد فيهم قانونه الخاص

لهذا فهم دائماً على حق فيما يعتقدون، نظرياتهم الدينية وتصنيفاتهم للمجتمع وتقييمهم للشخصيات السياسية، وتوزيعهم للعمالة والوطنية أيضاً كلها على حق دائماً، فالمرجع الديني الذي يعتقدوه هو الأعلم سيكون هو الاعلم (بغض النظر عن الاستدلالات العلمية) هو كذلك فقط لأنهم يريدوه، والسياسي الفاسد اذا ما تم تصنيفه كرجل وطني بين ليلة وضحاها فلا تستغرب أما رأيك فغير مهم والأفضل أن لا تبوح به

ومع تطور وسائل التواصل الاجتماعي لم تكتفي هذه الفئة بالتواجد على رأس الشارع والكافيهات، وانما تجدهم يتسكعون في صفحات الفيس بوك فبمجرد أن تطرح رأياً مغايراً لما يعتقدون فاستعد لملئ قاموس جديد بالشتائم والتبليغات و(السكرين شوت) مع دوائر حمراء حول الكلمات القابلة للتأويل والفهم المزدوج، حتى أنك تجد عزلة في الفيس بوك أحياناً مشابهة للعزلة التي تجدها في الشارع ، وأكثر ما يقلق في التعامل مع هذه الفئات هو ان قائمة تصنيفها للأفكار والشخصيات المقبولة متغير دائماً ولأسباب مجهولة حتى وقت كتابة هذا المقال واعتقد انها ستستمر

بعد مدة من الزمن تم نقلي الى مدرسة أخرى في منطقة من الأحياء الراقية جداً حيث أن الطلبة يملكون سيارات فارهة أحدث من سيارتي المتوسطة، حتى أنني وقفت يوماً أنظر الى سيارتي الصالون وهي بين سيارات الدفع الرباعي التي يأتي بها الطلبة الى المدرسة وقد خُيل لي أنها كومة حديد لا نفع فيها، نظرات الطلبة كانت تلاحقني أيضاً كيف لهذا الاستاذ أن يقود مثل هذه (الخردة بحسب تصنيفهم)

هذه الطبقة الاجتماعية أيضاً لا يمكنك ان تنتقد أحدها فهي متماسكة كسابقتها وبإشارة غير متفق عليها أيضاً ممكن أن يحيط بك (البُدي گارد) والحمايات والمنتسبين للحجي ولجناب الاستاذ الوالد، حاملين أجهزة اتصالات وأسلحة حديثة للجرح والصعق بالكهرباء والتقييد، حتى يبدوا أحدهم كلعبة أطفال مليئة بالنشرات الضوئية

هذه الطبقة أيضاً دوماً على حق، نظرياتهم الدينية وتصنيفاتهم للمجتمع وتقييمهم للشخصيات السياسية، وتوزيعهم للعمالة والوطنية والجهل والمعرفة أيضاً كلها على حق ولا يمكن ربح نقاش معهم .

صفحاتهم الممولة على الفيس بوك كفيلة بجلب آلاف الاعجابات والمشاهدات مهما كان المحتوى الذي يقدموه تافه او عديم الفائدة، ولهم منصاتهم الخاصة ايضاً التي لا يختلطون فيها مع متسكعي الانترنت، فما يكفيهم منه هو نشر انجازاتهم العظيمة كزيارة مطعم أو حضور حفلة أو شراء سيارة جديدة أو نشر صور أطفالهم بملابس فاخرة وعيون ملونة حتى يثبتوا للناس انهم من عرق نقي وسلالتهم ستستمر نقية وأنهم قادرين على الاستمرار .

بين هؤلاء وأولئك عرفت أنني أنتمي لأقلية تُدعى ( الوسط ) فلا يوجد خلفي من يحمل (السكاكين والتواثي ) كما لا يوجد (بُدي گارد) فيه نشرات ضوئية ، فلا هذه الفئة تقبلني ولا تلك

ومنذ ذلك الوقت عرفت أنني يجب أن عيش غربتي، مع ملايين الغرباء من حولي الذين طردتهم البيئات المتطرفة، فآراؤنا غير مهمة ويكفي أن نتمضمض بكلماتها أو نكتبها في صفحاتنا على الفيس بوك ليقرأها الوسطيون أمثالنا من دون أي نصرة أو تأييد أو مشاركة

وهذه العُزلة هي ضريبة الوسطية التي يختار الانسان أن يعيشها،

السيء في الموضوع أنك قد تضطر احياناً لمواجهة الفئتين معاً خصوصاً عندما تحاول اقناع (المخدوع) أن هناك من يخدعه، فيعاديك (الخادع والمخدوع) ويتعاونا على رجمك لأنك تفسد عليهم حفلة الخداع التي يلعبانها بسعادة ويعاقبانك على ايقاظ الناس من سباتهم الطويل.

لكن يبقى ما يطمئن القلب فعلاً ويهون هذه الغربة

و هو أن الله سبحانه وتعالى يقول:

{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً}.

اللُّهم فاكتبنا مع الشاهدين