الرأي العام العاطفي
الجمعة / 12 / نيسان - 2019
547

د. سعدي الابراهيم

إن عاطفية الرأي العام هي ليست عيبا، بالأخص عندما تَتعلق بعلاقة الانسان بوطنه الذي يعيش فيه، لكنها (اي العاطفة) قد تضيع على الانسان امكانية ايجاد سبل واليات تحفظ حقوقه، ويسهل على الاخرين استثارته.

لم يكن من السهولة في الفترات السابقة ان تقيس مزاجية الجماهير وتوجهاتها وتفسيراتها للأحداث الجارية في البلاد وخارجها. حيث كانت الطريقة الوحيدة لتحقيق ذلك هي الاستبيانات. لكن في عصر الانترنيت باتت الامور اكثر سهولة، ولا تحتاج الى اي استبيان، على اعتبار ان الجماهير بات بمقدورها ان تعبر عن وجهات نظرها بكل بساطة من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، بالأخص الفيس بوك الذي يعطي الفرد رأيه من خلاله حول كل القضايا اليومية.

واذا ما اردنا ان نقيم طريقة تعامل الرأي العام العراقي مع الاحداث اليومية التي تصادفه سواء داخل البلاد او خارجها، سنجد بأن الجماهير العراقية سرعان ما تتفاعل مع كل حدث تمر به البلاد، تفاعلا قويا، وتبقى منشغلة به يوما او بعض يوم، ثم يبدأ الاهتمام بالتنازل، حتى اذا وصلنا اليوم الثالث، كأن شيئا لم يحدث. والامثلة على ذلك كثيرة، كما هو الحال مع احداث المظاهرات، او قضية الاسماك، او قضية غرق العبارة في الموصل.

وهذا التفاعل المفاجئ والذي ينتهي بسرعة، له دلالات متعددة، من الممكن ذكر البعض منها، من خلال الآتي:

1- يدل على المزاج العاطفي للإنسان العراقي الذي يتنقل من حالة الى اخرى بشكل سريع ومستعجل.

2– سهولة التأثير في الرأي العام، واخذه في اتجاهات مختلفة من خلال اثارة عواطفه الجياشة، بالأخص عندما تكون القضية المطروحة فيها بعد وطني او انساني.

3– من الصعب ان يعترف الرأي العام بالإيجابيات التي تحدث في البلاد، حيث تكون السلبيات اكثر جذبا وتأثيرا.

4– قلت تأثيرات الرأي العام في الاحداث التي تمر بها البلاد، بالأخص فيما يتعلق بالضغط على السلطة السياسية، حيث ان النخبة الحاكمة تعرف ان للجماهير وغضبها مدى محدودا لا تتجاوزه.

ولعل ان السمات التي تتميز بها الجماهير العراقية هي نفسها في كل الدول غير المتقدمة، لكن لعل ما يميز الجماهير العراقية عن سواها، انها استفادت من الفسحة الديمقراطية بعد عام 2003. فلو لم تكن هناك اجواء ديمقراطية، لما تمكن الشعب من ان ينتقد النظام السياسي عندما تكون هناك مشاكل عامة او ازمات مفاجئة، ولما تمكنت الجماهير من ان تبدي رأيها بكل حرية. لكن مع ذلك فلا بد للدولة من ان تهتم بدراسة الرأي العام العراقي، وتحليله وفهمه الفهم الصحيح، وفي الوقت عينه حمايته من ان تستغل مشاعره وعواطفه من قبل الجهات التي لا تريد الخير والسلام للبلاد.