العراق: إقليم الشمال… إقليم الجنوب
الأربعاء / 10 / نيسان - 2019
122

صادق الطائي

ارتفعت الأصوات مرة أخرى مطالبة بإقامة إقليم أو أكثر في محافظات جنوب العراق، وقد بات الأمر أشبه بورقة ضغط تطرحها القوى السياسية بوجه العاصمة بغداد، كلما توترت علاقات الطرفين، وربما تم تسويق الأمر أمام الحراك الشعبي في مدن الجنوب، على أنه الحل الناجع لما تعانيه هذه المدن من الإهمال وسوء الخدمات، رغم رقودها على الثروة النفطية الهائلة التي يعيش عليها العراق.

وموضوع أقلمة المحافظات بشكل منفرد، أو بشكل تكتلات لفّه الكثير من الغموض والموانع المخفية والصفقات السرية، فقد كان موضوع إقامة إقليم «جنوب العراق» الذي يضم المحافظات الجنوبية الثلاث (البصرة وميسان وذي قار) من المشاريع المبكرة التي طرحت على ساحة النقاش، بعيد إطاحة نظام صدام حسين. ونذكر هنا أن أبرز دعاة هذا المشروع كان السياسي العراقي باقر ياسين الذي حاول تجميع قاعدة شعبية تطالب بإقامة إقليم الجنوب، ومطالبة بغداد بالتعامل معه بمعايير معاملتها لاقليم كردستان، لكن ضغوطا داخلية وإقليمية وحتى امريكية حالت دون نضوج الأمر.

وربما يمكننا فهم الامر إذا استعنا بإلقاء نظرة على تاريخ العراق المعاصر بهذا الشأن، ومحاولة القيام بإجراء مقارنة بسيطة في ما حصل ويحصل الان. فعند تأسيس دولة العراق المعاصر، بعد انتهاء الحرب العالمية الاولى، وتشكله من ثلاث ولايات عثمانية هي الموصل وبغداد والبصرة، تحت مسمى واحد هو العراق، لم يسر الأمر بشكل سلس وبدون اعتراضات، إذ رفض الاكراد الخضوع لسلطة بغداد وطالبوا في عشرينيات القرن الماضي بالاستقلال تحت قيادة الشيخ محمود الحفيد البرزنجي، الذي كان يقدم نفسه على انه ملك كردستان، وبالمقابل طالبت مجموعة من الشخصيات البصرية باستقلال البصرة عن العراق، وقدمت طلبا بهذا الخصوص إلى المندوب السامي البريطاني حينها السير برسي كوكس في 13 يونيو 1921 وقد تضمن الطلب 23 نقطة، أهمها مطالبة أكثر من أربعة الاف وخمسمئة رجل من وجوه البصرة ممن وقعوا الطلب، بصفتهم نخبة المدينة والمتحدثين بالنيابة عن سكانها، الذين طالبوا بالبقاء تحت السيطرة المباشرة للادارة البريطانية، وعدم الخضوع لعرش العراق، الذي كان يتم إعداد العدة لتسنمه من الامير فيصل بن الحسين. وقد طرحت مذكرة، ما عرف لاحقا لدى المؤرخين بالحركة البصرية الانفصالية، أو الحركة اللامركزية، مجموعة أفكار تتمحور حول إقامة نوع من الاتحاد الكونفدرالي بين البصرة والعراق، وكان الدافع المثبت في المذكرة هو تخوف النخبة الارستقراطرية البصرية من اتحاد بين البصرة الثرية، وما تمثله كونها الميناء الابرز على الخليج مع بقية مدن العراق الفقيرة، كما أشارت المذكرة إلى الفروق الحضارية بين مدن العراق المتخلفة حينها، والبصرة بصفتها ميناء منفتحا على العالم، يضم بين سكانه جالية كبيرة من الاجانب، وقد ذكَر طلب البصريين السير برسي كوكس أن مدينتهم لم تشترك في أعمال الشغب والتمرد، بحسب وصف المذكرة لما عرف لاحقا بـ «ثورة العشرين»، وأنهم كانوا مطيعين للإدارة البريطانية وتعليماتها، وبالتالي فإن من حقهم أن يحظوا بمعاملة مختلفة من البريطانيين تميزهم عن بقية مدن العراق.

وربما كانت النقطة الأخطر في مذكرة استقلال البصرة، أنها طالبت بتشكيل قوات أمن وجيش خاص بـ»دولتهم الجديدة» على أن يتم التفاهم والتنسيق بين البصرة والعراق على تنظيم الدفاع عن الاتحاد الكونفدرالي بينهما. وقد عزا بعض المؤرخين محاولتي استقلال كردستان واستقلال البصرة، إلى انهما كانتا تجل للصراع الخفي بين جناحي الادارة البريطانية حينها، إذ كانت مدرسة الهند، وفي مقدمتها المندوب السامي البريطاني في بغداد السير ارنولد ويلسن، تدفع باتجاه إدارة المنطقة على غرار النمط الهندي، عبر تكوين إمارات ومشيخات صغيرة تتم إدارتها إدارة مباشرة من نائب الملك في الهند، بينما كانت مدرسة القاهرة وعلى رأسها وزير المستعمرات ونستون تشرشل، والمندوب السامي اللاحق برسي كوكس ومس بيل تدعم قيام دولة عراقية موحدة، يتم تطويرها والأخذ بيدها عبر نظام الانتداب، ومن ثم عبر المعاهدات، وهذه المدرسة هي التي انتصرت في المحصلة النهائية، وعملت على دعم المملكة الفتية عبر قمع كل محاولات الانفصال سياسيا وعسكريا.

موضوع أقلمة المحافظات بشكل منفرد، أو بشكل تكتلات لفّه الكثير من الغموض والموانع المخفية والصفقات السرية

وبقيت مطالبات قيام إقليم البصرة تثار بين حين وآخر حتى عام 1928، ومن الجدير بالذكر أن إقليم البصرة الذي طالب به بصريون مطلع القرن لم يكن قائما على هوية إثنية أو طائفية، كما يعتقد البعض، أو يشير إلى أنه محاولة قيام دولة شيعية في جنوب العراق، إذ كانت المدينة تضم خليطا من كل الأديان والأعراق والمذاهب، وكان في مقدمة الداعين لإقليم البصرة حينها شخصيات مثل، أحمد باشا الصانع وعبد اللطيف باشا المنديل وناجي بك السويدي، وهم شخصيات سنية كما هو معلوم، كما عارضت استقلال الاقليم شخصيات شيعية بصرية معروفة مثل أحمد حمدي الملا حسين وعبد الكاظم الشمخاني اللذين قدما طلبا مضادا للمندوب السامي البريطاني.

وبينما بقيت مطالبات كردستان بالاستقلال والانفصال عن العراق مستمرة، تضاءلت بالمقابل دعاوى انفصال أو استقلال أجزاء من العراق العربي، وحتى عند اندلاع انتفاضة عام 1991 لم تطرح شعارات فصل أو استقلال أو إقامة إقليم جنوب العراق من المنتفضين، بينما حصل هذا الامر في المدن الكردية. وعندما فرضت مناطق حضر الطيران عبر قرارات الهيئة الاممية على حكومة بغداد لحماية المدنيين من بطش قوات النظام، تم تفعيل الامر بشكل مبالغ فيه شمال خط العرض 36، ما وفّر ملاذا آمنا للكرد، وبعض حركات وأحزاب المعارضة العراقية التي لجأت لكردستان العراق، بينما لم يتم تفعيل الامر بالكيفية ذاتها جنوب خط العرض 33، والسبب كما يراه المحللون السياسيون كان يكمن خلف الضغوط الاقليمية التي رأت في إقامة ملاذ آمن جنوب العراق خارج سيطرة الحكومة المركزية، يعني بشكل لا لبس فيه إقامة كيان ستسيطر عليه الاحزاب الاسلامية الشيعية، ومن ثم يتم تقديمه على طبق من ذهب لايران، وبالتالي ستزداد حدة التوتر مع حلفاء الولايات المتحدة الخليجيين، وهذا ما راعاه الامريكيون في غض بصرهم عن الامر.

وعندما أطيح بنظام صدام حسين وتمت كتابة الدستور بالطريقة المستعجلة المعروفة التي انتجت دستورا مليئا بالالغام، كان هم المشرع تثبيت حق إقليم كردستان والتأكيد على صفة العراق الفيدرالي. وهذا ما جعل الدستور يحوي العديد من المشاكل التي لا يعرف احد كيفية حلها، ففي الباب الخامس‎‎من الدستور العراقي، الذي يحدد سلطات‎‎الأقاليم نقرأ في المادة (115)‏‎: يحق لكل‎‎محافظةٍ أو اكثر، تكوين اقليمٍ بناءاً على طلبٍ بالاستفتاء عليه، يقدم بأحدى‎‎طريقتين:‎أولاً طلبٍ من ثلث الاعضاء في كل مجلسٍ من مجالس المحافظات التي‎‎تروم تكوين الاقليم‎. ثانياً طلبٍ من عُشر الناخبين في كل محافظةٍ من‎‎المحافظات التي تروم تكوين الاقليم. ‎هذا الامر تم رفضه رغم دستورية الطلبات التي قدمت لاقامة اقليم البصرة مثل طلب النائب وائل عبد اللطيف عام 2008، وطلب النائب محمد الطائي عام 2015. لكن الاخطر ورد في نص المادة (117 ) من الدستور التي نصت في الفقرة رابعاً على: تؤسس مكاتبٌ للاقاليم في السفارات والبعثات الدبلوماسية، لمتابعة الشؤون ‏الثقافية والاجتماعية‎‎والانمائية‎. أما الفقرة خامسا فقد ورد فيها: تختص حكومة الاقليم بكل ما تتطلبه ادارة الاقليم، وبوجهٍ‎‎خاص إنشاء وتنظيم قوى الامن ‏الداخلي للاقليم، كالشرطة ‏والأمن وحرس‎‎الإقليم‎. ما يعني ضمنا إعطاء صلاحيات التمثيل الدبلوماسي والدفاع لسلطات الاقليم، ما يحول العلاقة من اتحاد فيدرالي تتمتع فيه الحكومة المركزية بوضع يمكنها من الامساك بالملفات السيادية، إلى نوع من الاتحاد الكونفدرالي الذي تم تفصيله على مقاس العلاقة بين أربيل وبغداد، وبالتالي جعل الامر محفوفا بالمخاطر عند قيام اي إقليم، لانه سيطالب حتما بكل صلاحيات الكرد وما جرته من أزمات مع بغداد. فاذا تم إنشاء إقليم البصرة المسيطر على 90% من نفط العراق، يمكننا تخيل حجم الصراعات التي ستولد عندها بين بغداد والبصرة. ليبقى السؤال المركزي في أزمات العراق المتلاحقة هو: هل يمكن حل اشكال إقامة الاقاليم وصلاحياتها في الدستور؟

المصدر: القدس العربي