صحيفة: تغيير الوجوه في الانتخابات المقبلة ’’رهان غير مضمون’’
السبت / 06 / شباط - 2021

متابعة – كلمة

اعتبرت صحيفة العرب اللندنية، السبت، 06 شباط، 2021 أن تغيير الوجوه التي حكمت العراق "رهان غير مضمون".

ورأت في تقرير لها صعوبة اجراء انتخابات بالمواصفات المطلوبة لوجود قوى متمكنة من السلطة وتمتلك نفوذ سياسي ومال وسلاح، على حد تعبير الصحيفة.

وفيما يلي نص التقرير:

قبل نحو ثمانية أشهر على إجراء الانتخابات النيابية المبكرة في العراق تسابق الأحزاب السياسية الزمن استعدادا لخوض ماراثون انتخابي محموم في العاشر من أكتوبر المقبل.

ويتوّزع الرهان خلال هذا الموعد الانتخابي الذي اكتسى بحكم الظروف المتغيّرة في البلد أهمية استثنائية، بين قوى جديدة طامحة للتغيير واستثمار حالة الغضب الشعبي العارم من سوء الأوضاع، وبين قوى قادت تجربة الحكم طيلة الثماني عشر سنة الماضية أو شاركت فيها بدرجة أو بأخرى وتطمح لمواصلة القبض على زمام السلطة حفاظا على مكانتها ومكاسبها.

ويرى متابعون للشأن العراقي أنّ الانتفاضة غير المسبوقة التي شهدها العراق بداية من أكتوبر 2019 واستمرّت لعدّة أشهرت، أعطت مؤشّرا قويا على رغبة العراقيين في التغيير، وأنّهم يستطيعون القيام بذلك في حال أجريت انتخابات نزيهة وشفّافة بعيدا عن تأثيرات المال السياسي وسلاح الميليشيات.

وأعلنت مفوضية الانتخابات العراقية قبل أيام مشاركة سبعة وعشرين تحالفا في الانتخابات، تضم مئتين وخمسة وثلاثين حزبا سياسيا، إضافة إلى دراسة مشاركة خمسة تحالفات أخرى، إذ تستمر فترة تسجيل التحالفات الانتخابية حتى العاشر من فبراير الجاري.

وقالت مصادر عراقية إنّ من بين الأحزاب المرشّحة للمشاركة في الانتخابات سبعة على الأقلّ تقدّم نفسها كممثلة للحراك الشعبي، متوقّعة وجود العديد من القوى الناشئة التي ستشارك في الاستحقاق الانتخابي على أساس التغيير والإطاحة بالوجوه الحاكمة طوال الفترة السابقة.

وإلى جانب تلك القوى تظل التحالفات الشيعية صاحبة الأغلبية في البرلمان الحالي بواقع 187 مقعدا من أصل 329 على رأس المتنافسين في انتخابات أكتوبر القادم.

التحالفات الشيعية تظل صاحبة الأغلبية في البرلمان الحالي بواقع 187 مقعدا من أصل 329 على رأس المتنافسين في انتخابات أكتوبر القادم

وبحسب رصد لوكالة الأناضول، تمتلك تلك التحالفات موالين في بغداد ومحافظات جنوب البلاد، وأبرزها تحالف سائرون الذي يشغل 54 مقعدا ويضمّ أحزابا أبرزها التيار الصدري الساعي للحصول على رئاسة الوزراء وتشكيل الحكومة القادمة، وفق تصريح سابق لزعيم التحالف مقتدى الصدر.

وخلال توترات سياسية وأمنية عاصفة استمرت أكثر من عام، تمكن تحالف سائرون من الحفاظ على تماسكه عقب تعهد زعيمه مقتدى الصدر بالوقوف إلى جانب مطالب الاحتجاجات الشعبية.

أما تحالف الفتح الذي يشغل 47 مقعدا نيابيا فيضمّ 17 كيانا بين أحزاب ومنظمات وتجمعات غالبيتها مكونة من فصائل الحشد الشعبي الموالية لإيران.

ولم يعلن التحالف السعي للحصول على رئاسة الوزراء، لكنّ مناهضين له يخشون استغلاله قوات الحشد التي وقع إدماجها بشكل صوري في القوات المسلّحة لتحقيق مكاسب انتخابية بطرق غير مشروعة.

ويأتي تحالف النصر بمقاعده 42 ثالثا في ترتيب أكبر التكتلات. ويقوده رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي ويتشكل من أربع كتل سياسية شيعية ذات ثقل سياسي وانتخابي ضعيف، وهي حزب الفضيلة وتيار الإصلاح برئاسة رئيس الوزراء الأسبق إبراهيم الجعفري، و”مستقلون” بزعامة وزير النفط الأسبق حسين الشهرستاني، والمجلس الأعلى الإسلامي بزعامة همام حمودي.

ووفق مراقبين، فقد تقلصت شعبية العبادي بسبب مواقفه التي اعتبرها البعض تراخيا في ملاحقة الفساد بالعراق، عندما كان على رأس السلطة التنفيذية بين سنتي 2014 و2018.

ورابع التكتلات الحزبية الكبيرة هو تحالف دولة القانون بستة وعشرين مقعدا في البرلمان الحالي، ويقوده رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي الذي لا يكاد ييأس من الحصول مجددا على رئاسة الوزراء وتشكيل الحكومة، وفق تصريح سابق للمالكي الذي يعد الخصم الشيعي الأبرز لزعيم التيار الصدري مقتدى الصدر.

ويعتبر التحالف محافظات وسط وجنوب العراق خزانه الانتخابي، إلاّ أنّ سكان تلك المحافظات أظهروا خلال انتفاضتهم غير المسبوقة التي تفجّرت في أكتوبر 2019 واستمرّت لعدة أشهر غضبا شديدا من الأحزاب التي حكمت البلاد منذ 2003 وقاموا بإحراق عدد من مقرّاتها داخل مدنهم.

بالنسبة إلى الكثير من العراقيين، فإنّ للمالكي الذي قاد الحكومة لفترتين متتاليتين بين سنتي 2006 و2014 مسؤولية مباشرة في تردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والأمنية، وفي شيوع الفساد وتغلغله في مفاصل الدولة. ويظل من أكثر المحطّات قتامة في مسيرته بالحكم، انتهاء ولايته الثانية بسيطرة تنظيم داعش على ثلث مساحة العراق وتهديده عاصمتها بغداد.

واعتبرت تلك الكارثة التي أدخلت العراق في حرب دامية ومكلفة بشريا وماديا نتيجة مباشرة للدمار الذي أحدثه زعيم دولة القانون في مؤسسات الدولة العراقية بما في ذلك المؤسسة الأمنية والعسكرية التي داخلتها في عهد المالكي الاعتبارات الطائفية وابتعدت عن المهنية في اختيار كبار قادتها، كما تسرّب إليها فساد كبير حتّى أن عدد المنتسبين إليها بشكل صوري لمجرّد تقاضي الرواتب دون مشاركة فعلية في الخدمة، والذين يصطلح عليهم محليا بـ”الفضائيين”، تجاوز في عهد رئيس الوزراء الأسبق الخمسين ألفا، وفقا لبعض التقديرات.

أما تحالف تيار الحكمة الذي يتزعمه عمّار الحكيم المنشقّ عن المجلس الأعلى الإسلامي وصاحب التسعة عشر مقعدا في البرلمان الحالي فيسعى إلى تعويض الخسارة النيابية التي لحقت به في انتخابات 2018 بعد أن كان عدد مقاعده ثلاثين مقعدا في انتخابات 2014.

وتأتي التحالفات والكتل السُنية في أدنى ترتيب القوى المنافسة على مقاعد البرلمان، وبالتالي على مواقع في السلطة، وذلك بسبب هيمنة الاحزاب الشيعية على تجربة الحكم التي انطلقت سنة 2003 واشتركت كلّ من الولايات المتّحدة الأميركية وإيران في وضع أسسها وتحديد معالمها الكبرى، وأيضا بسبب كثرة الانقسامات داخل القوى السياسية السنّية وصراعات الزعامة بين قياداتها.

وعقب أقل من عام على انتخابات 2018، التي حصل فيها التحالف السُني المعروف باسم المحور الوطني بزعامة رئيس البرلمان الحالي محمد الحلبوسي على خمسين  مقعدا بمجلس النواب، تفجرت الخلافات بين قياداته على زعامة التحالف.

وخرج من رحم التحالف السُني المنقسم ثلاثة تحالفات وكتل، أبرزها “المحور” بزعامة خميس الخنجر، و”القوى العراقية” بزعامة محمد الحلبوسي، و”جبهة الإنقاذ” بزعامة أسامة النجيفي، وجميعها تسعى لخوض الانتخابات البرلمانية المقبلة، بذات الطموحات السابقة وهي المشاركة بشكل ثانوي في السلطة والتمتّع بما تمنحه من امتيازات، من دون تأثير واضح في رسم معالم سياسات الدولة وتحديد خياراتها الكبرى.

أمّا الأحزاب الكردية فقد خاضت الانتخابات الماضية بقائمتين هما “السلام الكردستانية” و”القائمة الوطنية” حيث حصلت الأولى على 43 مقعدا والثانية على 15 مقعدا في البرلمان.

وضمت قائمة السلام الكردستانية الحزبين الحاكمين في إقليم كردستان العراق، وهما الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني. فيما ضمت القائمة الوطنية أحزابا معارضة هي حركة التغيير والجماعة الإسلامية الكردستانية، والتحالف من أجل الديمقراطية والعدالة.

وخلال العامين الماضيين، تصاعدت حدة الخلافات بين الأحزاب الكردية الحاكمة والمعارضة إثر تفاقم الأزمات الداخلية في إقليم كردستان، وأبرزها الأزمة المالية والخلافات بشأن مصير المناطق المتنازع عليها بين بغداد وأربيل.

وإلى جانب تلك القوى التي شاركت خلال الفترة الماضية في العملية السياسية، على اختلاف درجات مشاركتها يأتي ائتلاف الوطنية بمقاعده الستة وعشرين في البرلمان الحالي، وهو تكتّل يستعصي عن التصنيف طائفيا أو عرقيا حيث يضمّ خليطا من إسلاميين وعلمانيين وقوى سياسية سُنية أبرزها التجمع المدني للإصلاح بزعامة رئيس البرلمان الأسبق سليم الجبوري، والجبهة العربية للحوار بزعامة صالح المطلك، والوفاق الوطني العراقي بزعامة رئيس الوزراء الأسبق إياد علاوي، وهو شيعي علماني فاز في انتخابات 2010 بأكبر عدد من مقاعد البرلمان لكنّ نوري المالكي تمكّن من أن ينتزع منه حقّ تشكيل الحكومة، عندما لجأ إلى تفسير مادة في الدستور قال إنّها تمنح امتياز قيادة السلطة التشريعية لمن يستطيع تشكيل أكبر تحالف تحت قبّة البرلمان وليس من يحرز أكبر عدد من المقاعد.

وكان من المفترض انتهاء الدورة البرلمانية الحالية عام 2020، إلا أنّ ضغوط الشارع خلال انتفاضة أكتوبر ورفض المنتفضين الاعتراف بشرعية البرلمان الحالي ومطالبتهم بإسقاط حكومة رئيس الوزراء السابق عادل عبدالمهدي دفعت إلى اتّخاذ قرار بإجراء انتخابات مبكرة، سعيا لامتصاص الغضب الشعبي بعد أن أصبح يشكّل تهديدا فعليا للنظام القائم.

وتم منح الثقة للحكومة الجديدة برئاسة مصطفى الكاظمي في مايو من العام الماضي لإدارة المرحلة الانتقالية وصولا إلى إجراء الانتخابات المبكرة في أكتوبر المقبل.

وعلى مدى الدورات الانتخابية السابقة، ثار الكثير من الجدل بشأن نزاهة الانتخابات في البلد الذي يعاني من فساد مستشر على نطاق واسع، وفق تقارير دولية، ومن فوضى سلاح في ظل وجود عدد كبير من الميليشيات المنفلتة.

وتضع حكومة الكاظمي على رأس رهاناتها إجراء انتخابات نزيهة تحت رقابة دولية بعيدا عن سطوة السلاح وتأثيرات المال السياسي، الأمر المرشّح للاصطدام بمصلحة الأحزاب الكبيرة والقوى القابضة على السلطة، والتي تعلم مسبقا مدى نقمة الشارع عليها وعلى كبار زعمائها بعد أن تمّ الوقوف على فشلهم في إدارة شؤون الدولة، وتدرك بالتالي ضآلة حظوظها في الحفاظ على مكانتها في حال سدّت أمامها منافذ التزوير وإغراء الناخبين بالمال وتهديدهم بقوّة سلاح الميليشيات.