رسالة شفوية تخص الفصائل!
مصدر يكشف تفاصيل الرسالة التي بعثها ’الكاظمي’ إلى إيران
الثلاثاء / 29 / كانون الأول - 2020
المصدر: الجزيرة

أوفد رئيس الوزراء العراقي، مصطفى الكاظمي، مساء الأحد وفدا إلى إيران بعد ساعات من توتر الأوضاع في بغداد على خلفية اعتقال قائد بارز في حركة "عصائب أهل الحق"، التي يتزعمها قيس الخزعلي، في محاولة منه على ما يبدو لخفض التوتر بينه وبين عدد من الفصائل العراقية، فضلا عن تحييد العراق عن أي صراع محتمل بين إيران والولايات المتحدة، في حين اعتبرت طهران المباحثات الثنائية تأتي في سياق التنسيق المتواصل بين الجانبين.

وينقل مراسل الجزيرة نت في بغداد، رياض فخري، عن مصدر حكومي عراقي في مكتب الكاظمي "رئيس الحكومة حمّل الوفد رسالة إلى إيران بشأن القصف، الذي طال السفارة الأميركية، والتهديدات التي توجهها الفصائل الشيعية للحكومة".

ويضيف المصدر أن "رسالة الكاظمي ليس فيها أي لغة تهديد؛ بل لغة حوارية تحث فيها إيران على تهدئة الأوضاع في العراق، وعدم التصعيد مع الأميركيين".

ويشير المصدر إلى أن "الكاظمي أرسل عتبا شفويا إلى إيران بشأن تصرفات بعض الفصائل المسلحة المقربة منها، ودعاها إلى بذل جهودها لمنع شن هجمات على المصالح الأميركية في الذكرى السنوية لمقتل قائد فيلق القدس الإيراني السابق، قاسم سليماني، وأبو مهدي المهندس، نائب رئيس الحشد الشعبي العراقي، التي تحل 3 يناير/كانون الثاني 2021.

مع التهدئة

وتعتبر عملية اعتقال قائد قوات الصواريخ في عصائب أهل الحق، حسام الزيرجاوي، الشرارة التي أطلقت التوترات الأخيرة، وعلى إثر ذلك انتشر مسلحون تابعون لهذه الجماعة في بعض مناطق بغداد، ليلة الجمعة الماضية، وهو ما دفع الكاظمي إلى إنزال جهاز مكافحة الإرهاب إلى الشارع.

ويقول المتحدث باسم المكتب السياسي باسم "حركة عصائب أهل الحق"، محمود الربيعي، للجزيرة نت "لم نُهدد الحكومة، ولسنا من الساعين إلى الفوضى، وما حدث قبل أيام كان افتعالا إعلاميا لا أكثر".

ويضيف "لا نعرف طبيعة الوفد، الذي ذهب إلى طهران؛ لكننا مع الحوار والتهدئة وعدم إضعاف الدولة، ونحن داعمون للكاظمي، وعندما يخطأ سنقف بوجهه".

وتتخذ الفصائل الشيعية المسلحة موقفا غير ودي تجاه الكاظمي، ولطالما اتهمته بالتورط في عملية اغتيال سليماني والمهندس، عندما كان رئيسا لجهاز المخابرات العراقية.

ومع هذا الموقف والتهديدات، التي يتعرض لها الكاظمي باستمرار؛ إلا أنه لم يتخذ موقفا تصعيديا، باستثناء ما تحدث عنه يوم الجمعة الماضية بعد نزول حركة "عصائب أهل الحق" إلى الشارع عندما قال "طالبنا بالتهدئة لمنع زج بلادنا في مغامرة عبثية أخرى؛ ولكننا مستعدون للمواجهة الحاسمة إذا اقتضى الأمر".

ويتحدث اللواء المتقاعد ماجد القيسي للجزيرة نت عن "سياسة الحوار، التي يتبعها الكاظمي مع الفصائل المسلحة"؛ لكنه في الوقت ذاته يعتقد بأنها "غير مجدية أمام فصائل تضعف الدولة وتنخرها".

ويقول إن "الكاظمي يريد أن يبعد العراق عن الصراع الأميركي الإيراني، ويحاول أن يكون هناك توزان في العلاقات مع البلدين، والوفد الذي أرسله إلى طهران حمل رسالة تفيد بضرورة أن تتوقف إيران عن استخدام العراق ساحة لصراعاتها".

لكن مصدر في "كتائب حزب الله" تحدث للجزيرة نت عن "تواطئ الكاظمي مع الأميركيين لضرب الفصائل الشيعية أو ما تعرف بفصائل المقاومة"، ويقول إن "الكاظمي يبحث عن افتعال أزمة وصِدام مع الفصائل، ورغم أننا لا نرغب به؛ إلا أننا جاهزون له".

ويشير المصدر إلى أن "الكاظمي يصنع من نفسه بطلا في الإعلام لإيهام الشعب، ومن أجل أن يخلق من الحشد والفصائل المسلحة عدوا وهميا يستخدمه قبل الانتخابات المقبلة لكسب الشعبي، الذي نفر منه منذ الأشهر الأولى، وحذرنا ونحذره من أن يكون أداة بيد واشنطن".

ويؤكد هذا المصدر، أن "الوفد الذي أرسله الكاظمي إلى إيران سيتحدث عما يتعلق بإيران فقط، وأبلغنا الوفد ألا يتحدث باسمنا، وما يتعلق بنا نحن نحدده، ونحن نقرره، والثأر للمهندس غير قابل للحوار".

الموقف الإيراني

وفي المقابل، رأت الخارجية الإيرانية أن زيارة الوفد العراقي تأتي في سياق "التنسيق المتواصل" بين البلدين، وبدعوة رسمية من طهران، مؤكدة وجود اتصالات مكثفة مع بغداد بشأن شتى القضايا ذات الاهتمام المشترك.

وتعليقا على الدعوات العراقية بشأن إبعاد بلاد الرافدين عن صراعات واشنطن وطهران، قال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، سعيد خطيب زاده، إن طهران لا تريد أي توتر في المنطقة؛ لكنها ستدافع عن مصالحها وأمنها القومي بكل قوة، مذكرا الجانب العراقي بأن قاسم سليماني كان قد حل ضيفا رسميا علی بغداد، وأن الجريمة وقعت على أراضيها.

والضيف العراقي يحمل أجندة سياسية واقتصادية في جعبته إلى طهران، وفق الدبلوماسي الإيراني السابق أمير موسوي، الذي أكد أن التصعيد الناجم عن استهداف المصالح الأميركية في بغداد من أطراف مجهولة يتصدر أجندة الوفد العراقي في مفاوضاته مع المسؤولين الإيرانيين.

وأوضح في حديث للجزيرة نت أن المنطقة تمر بظروف دقيقة جدا خلال الأيام الأخيرة من حقبة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، مؤكدا قدرة رئيس الوفد العراقي، الذي تربطه علاقات جيدة جدا مع طهران، على ترطيب الأجواء والتفاهم لقطع الطريق على الأطراف، التي تريد افتعال الأزمات على الساحة العراقية.

وعبر عن أسفه لما أسماه تأثر بعض الساسة العراقيين بالدعايات الإعلامية المعادية لإيران وإقحام طهران في قضاياهم الداخلية، مؤكدا أن حاضنة كبيرة لحركات المقاومة في العراق ترفض الوجود الأميركي في بلادها، وتريد الثأر لقائدها العسكري أبو مهدي المهندس، ولضيف بغداد قاسم سليماني، ولا شأن لإيران في ذلك.

وأضاف "من يريد تهدئة الأمور في العراق عليه أن يضبط الوجود الأميركي عبر تنفيذ قرار البرلمان القاضي بطرد القوات الأجنبية من هذا البلد"، مؤكدا أن الضيف العراقي سمع رسالة واضحة من طهران بضرورة تفاهم الأطراف العراقية فيما بينها، وأن الجمهورية الإسلامية مستعدة للمساعدة بدون التدخل في شؤونهم.

ديون مستحقة

وأِشار موسوي إلى أن طهران مضطرة إلى خفض صادرتها من الغاز إلى العراق لأسباب منها ارتفاع الاستهلاك المحلي في ضوء برودة الجو، فضلا عن عدم تسديد بغداد ديونها المتراكمة جراء استيراد الطاقة من إيران، منوها إلى أن طهران كانت قد قبلت باستلام المبالغ بالدينار العراقي بدون جدوى.

وأشار إلی أن موضوع خفض حجم صادرات الغاز الإيراني للعراق كان حاضرا على طاولة المفاوضات، موضحا أن طهران تعاني مشاكل عدة بسبب العقوبات الأميركية، وأن استمرار العراق بعدم تسديد فاتورة وارداته من الطاقة الإيرانية سوف يتسبب بأزمة للجانب الإيراني.

وفي السياق، أعلنت الشركة الوطنية الإيرانية للغاز أن القرار بخفض صادراتها إلى العراق، جاء بعد أن تجاهلت نظيرتها العراقية عدة إشعارات تطالب بضرورة تسديد ديونها المستحقة البالغة أكثر من 6 مليارات دولار.

طابع أمني

في غضون ذلك، يرى الباحث السياسي قيس قريشي أن الطابع الأمني والتطورات الإقليمية طغيا علی زيارة الوفد العراقي إلى طهران، وكشف عن أن الجانب العراقي طلب من طهران الوساطة بين بغداد وكتائب حزب الله وعصائب أهل الحق؛ لخفض التوتر، الذي بلغ مستويات خطيرة بينهم خلال الأيام الأخيرة.

وتطرق في حديثه للجزيرة نت، إلى ما أسماها محاولات صهيوأميركية بمباركة عربية لجر إيران إلى حرب خلال الأيام المتبقية من حقبة ترامب، وقال إن "الجانبين الإيراني والعراقي يتفقان على ضرورة عدم تحويل العراق إلى ساحة لتصفية الحسابات بين واشنطن وطهران، وينسقان لتفادي أي صراعات خلال المرحلة الانتقالية في البيت الأبيض".

وعبر قريشي عن اعتقاده بأن الهجمات الصاروخية الأخيرة على السفارة الأميركية في بغداد -التي كانت حاضرة في المفاوضات العراقية الإيرانية- لم تكن من صنع حلفاء إيران، مؤكدا أن الحركات العراقية الموالية لإيران تمتلك صواريخ دقيقة قصيرة المدى، ولو أرادت حقيقة استهداف المصالح الأميركية، فإن لديها ما يمكنها من ذلك، واصفا توقيت الحملات بأنه مشبوه.

وخلص إلى أن مفاوضات الوفد العراقي في طهران كانت ترمي إلى تحييد أراضي بلاده من أي صراعات محتملة بين إيران والولايات المتحدة، فضلا عن رغبة بغداد بتقويض العلاقة بين طهران والحركات العراقية، التي تراها غير منضبطة.

وختم قريشي بأن موازين القوى في المنطقة الخليجية سوف تتغير لصالح محور المقاومة بعيد مغادرة ترامب البيت الأبيض.