تحليل: ترامب ولعبته الخفية للتحكم في سوق الطاقة
الأثنين / 29 / نيسان - 2019
106

ابراهيم محمد

بعد أيام ينبغي أن تدخل التهديدات الأمريكية بتصفير صادرات النفط الإيرانية حيز التنفيذ. وبحسب الرئيس ترامب فإن السعودية والإمارات ستقومان بتعويض النفط الإيراني في السوق العالمية. إيران من جهتها هددت بإغلاق مضيق هرمز أمام ناقلات النفط في حال تنفيذ التهديدات. على ضوء ذلك يبدو أن الرياض وأبو ظبي لا تدركان المخاطر المحتملة لقيامهما بالتعويض في حال نجحت واشنطن في فرض حظر أقسى من القائم حاليا على طهران. مثل هذا النجاح يمكن اعتباره بالنسبة إلى الأخيرة بمثابة إعلان حرب لأنها ستكون عاجزة عن تغطية تكاليف استيراد الأدوية والأغذية وسلع أخرى ضرورية لأكثر من 80 مليون إيراني يعتمدون بشكل رئيسي على عائدات تصدير الذهب الأسود. ومع إن طهران تخشى قيام حرب تكون الولايات المتحدة طرفا فيها، فإن تبعات منعها من تصدير نفطها لن يمر على الأرجح دون عرقلة الإمدادات النفطية التي تنقلها السفن عبر مضيق هرمز وهي في غالبيتها إمدادات سعودية وإماراتية وعراقية وكويتية.

ماذا يعني إغلاق هرمز؟

يمر عبر المضيق في الوقت الحالي أكثر من ثلث إمدادات النفط العالمية وهي تذهب في غالبيتها إلى الصين والهند واليابان ودول جنوب شرق آسيا الاخرى. بالنسبة للسعودية والإمارات يعني إغلاق المضيق وعرقلة مرور ناقلات النفط العملاقة فيه بداية الخراب هناك لأن أعمالا عسكرية بغض النظر عن حجمها ستواكب ذلك. ويصبح الوضع كارثيا في حالة استهداف مرافق غير نفطية مثل محطات تحلية المياه الحيوية على ضفاف الخليج في الجانب العربي. كما أن مثل هذه العرقلة تؤدي إلى هروب الاستثمارات وتوقف التجارة والسياحة التي تعتمد عليها الإمارات بشكل خاص. وإلى جانب السعودية والإمارات والكويت والعراق ستضرر أيضا  الدول التي تستورد النفط الخليجي والإيراني وفي مقدمتها الصين المنافس الاقتصادي الرئيسي للولايات المتحدة. وحتى لو تمكنت بكين من إيجاد بدائل، فإنها ستكون أعلى تكلفة بكثير من المصادر الحالية.

من يعوض نقص الإمدادات؟

يستبعد معظم الخبراء احتمال الحرب حتى الآن، غير أن القسم الأكبر يرى أن واشنطن ستنجح في فرض مزيد من الحظر على الصادرات الإيرانية التي تقدر حاليا بنحو 1.2  مليون برميل يوميا مقارنة بأكثر من 2.5 مليون برميل قبل عام. وقبل ذلك نجح ترامب في فرض حظر على الصادرات الفنزويلية التي تراجعت إلى نصف مليون برميل مقابل 1.5 مليون برميل أواخر العام الفائت وأكثر من 3 مليون برميل قبل سنوات قليلة. وهناك تراجع أيضا في إمدادات النفط الليبي إلى أكثر من النصف بنحو 0.7 مليون برميل يوميا بسبب المعارك الدائرة هناك. السؤال هنا، من يعوض كل هذا النقص في الصادرات النفطية المرشحة للارتفاع إلى أكثر من 5 ملايين طن خلال أقل من عامين إذا استمرت العقوبات وبسبب الاعطال والصيانة والتخريب وزيادة الاستهلاك العالمي. واقعيا لا يمكن للسعودية والإمارات تعويض هذا النقص سوى بشكل جزئي، لأن معدل طاقتهما القصوى الإضافية لا تتعدى 1.5 مليون برميل يوميا. أما العراق فإنه بحاجة إلى عدة سنوات لزيادة صادراته النفطية بشكل ملموس بسبب حاجته إلى استثمارات إضافية كبيرة في مجال الاستخراج والضخ والنقل البحري أو عبر الأنابيب. وتذهب تقديرات وكالة بلومبيرغ إلى أن يحتاج حتى عام 2030 كي يزيد إنتاجه الحالي بنسبة 30 بالمائة، إلى 6 ملايين برميل يوميا.

صعود واشنطن في سوق النفط

وعلى العكس من روسيا التي لديها أيضا قدرات محدودة على زيادة صادراتها النفطية، تمكن العراق من زيادتها بنحو مليون برميل يوميا خلال السنوات الثلاث الماضية. وينتج العراق حاليا 4.5 مليون برميل يوميا يصدر منها نحو 3.5 مليون برميل في اليوم. وإذا كان العراق يعود تدريجيا إلى سابق عهده في إنتاج وتصدير النفط، فإن الولايات المتحدة تتحول من دولة مستوردة إلى دولة مصدرة للذهب الأسود بشكل غير مسبوق، إضافة إلى مخزونات تصل إلى 450 مليون طن حاليا. ومع زيادة الإنتاج الأمريكي بشكل مضطرد خلال السنوات الخمس الماضية ليصل إلى أكثر من 12 مليون برميل يوميا في الوقت الحالي ارتفعت الصادرات الأمريكية إلى أكثر من مليون برميل في اليوم خلال العام الماضي. وحسب وكالة "بلومبيرغ" زاد متوسط صادرات النفط الأمريكية خلال شهر مارس/ آذار الفائت على 3 ملايين برميل يوميا ذهب القسم الأكبر منها إلى أوروبا وجنوب شرق آسيا على حساب حصص دول في مقدمتها إيران وفنزويلا. ويتوقع عدد من الخبراء أن تكون الولايات المتحدة قادرة على تصدير 5 ملايين برميل يوميا في غضون أقل من 3 سنوات . وتذهب تقديرات إلى وصول الإنتاج الأمريكي إلى حوالي 20 مليون طن في غضون أقل من 10 سنوات، ما يعني مضاعفة الصادرات أو أكثر وإزاحة السعودية وروسيا من أعلى قائمة الدول المصدرة. ومن هنا يمكن القول أن الولايات المتحدة تخطط على ما يبدو للوصول إلى قيادة سوق النفط في العالم من خلال سياسة العقوبات وتقويض دور منظمة أوبك التي تعرضت مؤخرا لأكثر من تهديد من قبل الرئيس ترامب بتهمة احتكار السوق. في هذا السياق تبدو مطالبته وتهديداته المتكررة لها لزيادة الإنتاج والتصدير بهدف التغطية على أهداف أخرى في مقدمتها تحويل الولايات المتحدة إلى لاعب رئيسي في سوق النفط الدولية وتحديد أسعاره.

حقبة جديدة في سوق الطاقة

تشير معطيات سوق الطاقة وازدهار الصادرات النفطية الأمريكية إلى أن العالم يشهد بداية حقبة جديدة في سوق الطاقة سيكون للولايات المتحدة دورا قياديا إلى جانب دول أخرى في مقدمتها روسيا الغنية بالغاز الطبيعي. أما منظمة أوبك فسوف يستمر دورها في التراجع بسبب تراجع حصتها في السوق والخلافات العميقة بين أعضائها إضافة سهولة ممارسة الضغوط على بعضهم من قبل واشنطن. وسيعطي النفوذ المتزايد للولايات المتحدة في سوق الطاقة قدرة أكبر على ممارسة الضغوط السياسية والاقتصادية على دول منافسة وصاعدة على الصعيد الاقتصادي وفي مقدمتها الصين والهند وكوريا الجنوبية التي يزداد نهمها للطاقة بسبب الازدهار الاقتصادي الذي تعيشه.