اما آن الاوان لإنشاء صندوق سيادي عراقي؟
الأحد / 28 / نيسان - 2019
116

د. جواد كاظم البكري

الصندوق السيادي هو عبارة عن تجميع الفوائض المالية العامة واستثمارها بفوائد في اصول مالية اجنبية على الاغلب، وصناديق الثروة السيادية اوجدت في الاصل لتنويع مصادر الدخل في الدول البترولية التي لديها فوائض مالية، فضلاً ان هذه الصناديق كانت موجودة في الدول المتقدمة التي لديها مصادر دخل فائضة عن الحاجة في الميزانية العامة للدولة.

برزت الحاجة الى هذه الصناديق للاستثمار فيها للتخفيف من حده الازمات التي تعاني منها الدول للحفاظ عمى مستقبل الاجيال القادمة التي لها الحق في العيش بكرامة، على سبيل المثال فإن السعودية، وفي خطتها الاستراتيجية 2030، ستعتمد على 30% من عوائد الصندوق السيادي بدون نفط.

حتى نعرف أي نوع من الصناديق نريد ان ننشأ ينبغي علينا معرفة الهدف من انشاء الصندوق، فأهداف الصناديق السيادية هي:

1. حماية الاقتصاد الوطني والميزانية العامة للدولة من خطر الأزمات الخارجية التي تأتي نتيجة للتقلبات الناتجة من مداخيل الصادرات.

2. مبدأ العدالة الذي يتحقق من خلال توزيع الثروة بين الأجيال عن طريق تعظيم الادخار الذي يذهب الى الأجيال القادمة.

3. تنويع دخول الدولة وبالتالي العمل على تقليل الاعتماد عمى الصادرات السمعية غير المتجددة.

4. زيادة عوائد الاحتياطيات للصرف الأجنبي.

5. تساعد السلطة النقدية على سحب السيولة غير المرغوب بها.

6. توفير اداة لتمويل برامج التنمية الاقتصادية.

7. تحقيق نمو مستدام طويل الآجل في الدول المالكة للصندوق.

8. تحقيق اهداف سياسية واقتصادية واستراتيجية

9. معالجة وجود اثار سلبية نتيجة للتدفقات المالية الناتجة عن الثروة الطبيعية وهذا ما يعرف بـ(المرض الهولندي) The Dutch disease الذي يسبب اثار غير مرغوب بها في القطاعات الإنتاجية، وخاصة الصناعية نتيجة لاكتشافات النفط التي خلقت حالة من الكسل والتراخي في الوظيفة التي اصابت الشعب الهولندي من 1900-1950 بعد اكتشاف النفط والغاز في الشمال إذ توجهوا للترف والراحة، حتى وصلوا الى مرحلة نضوب المورد الطبيعي من الآبار التي استنزفها بالاستهلاك الجائر وغير المنتج.

مع العلم أن اغلب المؤسسات العمومية تأخذ شكل شركة تجارية وتكون خاضعة للقانون التجاري، هذا الامر يختلف بالنسبة لصناديق الثروة السيادية التي تعد هي صناديق استثمار علما ان وظيفة الشركة الأساسية انتاج سلع وخدمات وهذا يختلف بالنسبة للصناديق الثروة السيادية هو استثمار اصول مالية

• انواع صناديق الثروة السيادية على اساس الهدف منها:

1. صناديق الاستقرار: ويكون هدفها الأول حماية الميزانية والاقتصاد من تقلبات اسعار السلع الضرورية في الغالب.

2. صناديق الادخار: وهي تحويل الأصول غير المتجددة الى محافظ اصول متنوعة واساس عمل هذه الصناديق هو لزيادة عائد الاحتياطيات.

3. مؤسسات استثمار: تحسب اصولها على انها احتياطية وسبب الإنشاء هو لزيادة عائد الاحتياطي.

4. صناديق تنمية: لتشجيع تمويل المشاريع الاقتصادية والاجتماعية وتقوية السياسات الصناعية لزيادة الإنتاج المفترض للدولة.

5. صناديق الطوارئ: هي احتياطيات تقاعد وهي غير مقترنة بالالتزامات التقاعدية وتكون موجودة في ميزانية الدولة العامة.

• انواع صناديق الثروة السيادية على اساس مصدر الدخل:

1. صناديق المواد الأولية: النفط هو أحد المصادر الأساسية للدول التي تعتمد عليه، واما ابقاء احتياطي نفطي في الآبار كنوع من حقوق الأجيال ولكن اوجدت فكرة الصناديق السيادية كرأي سديد للمحافظة على حقوق الأجيال القادمة وهو احلال المورد الطبيعي الناضب محل أصل موجود.

2. صناديق فوائض المدفوعات الجارية: كثير من الدول وخاصة في امريكا الجنوبية حققت فوائض مالية غير نفطية نتيجة للتنافسية التصديرية على مستوى الأسواق العالمية وهذا بما يفيض عن احتياج الاستثمار المحلي الذي يدفع هذه الدول الى تحويل هذا الفائض الى صندوق سيادي.

3. صناديق خاصة لعوائد الخصخصة: الكثير من الدول قامت بخصخصة القطاع الحكومي وحصلت على عوائد مالية كبيرة واختلفت هذه الدول في استعمال هذه العوائد فبعضها يوجهها مباشرة لتمويل الميزانية العامة والبعض الآخر قام بتمويل برامج لإعادة هيكلة الاقتصاد وسداد الديون. ولكن للعوائد الكبيرة المتحصلة من الخصخصة خشيت هذه الدول ان يتوسع الإنفاق الحكومي ويكون الاقتصاد خارج الطاقة الاستيعابية ويؤدي في نهاية المطاف الى تضخم خارج السيطرة، وباعتبار المؤسسات المخصصة هي للملك العام لجميع الأجيال سيتم تحويل العوائد المخصصة الى صناديق ثروة سيادية.

4. صناديق من فائض الميزانية: بعض الدول تذهب الى تحقيق فائض في ميزانية الدولة الى تحويل فائض الاستثمار في اصول مالية لتحقق بها عوائد ايجابية ولتوجيه معطيات اقتصادية للمدى البعيد علما ان هذه الفوائض وارتفاع مستواها سوف يؤدي الى انشاء صندوق سيادي.

• انواع صناديق الثروة السيادية على اساس مجال عمل الصندوق:

1. صناديق سيادية محلية: هي صناديق يتركز نشاطها الاستثماري والادخاري داخل البلد.

2. صناديق سيادية دولية: هي صناديق يتركز نشاطها الاستثماري والادخاري خارج البلد.

3. صناديق سيادية مختلطة: هي صناديق يتركز نشاطها الاستثماري والادخاري خارج البلد وداخل البلد في آن واحد.

• انواع صناديق الثروة السيادية على اساس درجة الاستقلالية:

1. صناديق سيادية غير مستقلة: هي صناديق تديرها الحكومة بصفة مباشرة ولا تتمتع باستقلالية القرار، يتميز معظم هذه الصناديق بعدم خضوعه للرقابة المستقلة والمسائلة والافصاح.

2. صناديق سيادية مستقلة نسبياً: هي صناديق تديرها الحكومة بصورة مباشرة، إذ يتم إشراك جهات اخرى على غرار البنوك المركزية والهيئات المستقلة في ادارتها، أههم ما يميزها انها تتمتع بالاستقلالية النسبية في اتخاذ القرار، كما انها تخضع للرقابة المستقلة والمسائلة والافصاح.

• الفرق بين الصندوق السيادي واحتياطي البنك المركزي:

تتضح الصورة في تلك المقارنة بين الصندوق السيادي واحتياطيات البنك المركزي عند النظر في كيفية تمويل وبناء كل منهما.

1. فاحتياطيات البنك المركزي (مؤسسة النقد)، تتجمع تلك الاحتياطيات وتتراجع من سنة لأخرى عن طريق الفروقات بين دخل البترول والإنفاق الحكومي.

2. في حين أن الأموال أو الاحتياطيات الموجهة للصندوق السيادي تأتي بقرار حكومي للادخار للمستقبل ولإيجاد مصدر آخر للدخل. أي أنها بمثابة برنامج ادخار وطني للمستقبل موازٍ ومكمل لدخل البترول.

3. والمعمول به في هذا المجال عند إنشاء الصناديق السيادية في العالم أن يصدر قرار حكومي:

أولا. بتحويل جزء من الاحتياطيات المتوافرة لدى البنك المركزي لإنشاء وتمويل الصندوق السيادي.

ثانيا. اعتماد آلية للادخار تتضمن تحويل جزء من دخل الدولة بشكل دوري للصندوق السيادي، مثال على ذلك، يتم تمويل الصندوق السيادي في الكويت بتحويل (25%) من دخل البترول مباشرة إلى الصندوق السيادي.

ثالثا. يتطلب الأمر أيضا وضع آلية لضبط الإنفاق الحكومي، بحيث تكون موازنة الدولة (الإنفاق الحكومي سنويا) متناسقا مع إمكانات الدولة على المدى البعيد.

• مبادئ سانتياغو (Santiago Principles)

بعد الاجتماع السنوي للصندوق والبنك الدوليين في واشنطن عام 2008 وفي اجتماع سانتياغو في شيلي توصلت مجموعة من الدول الى اتفاق حول الممارسات والمبادئ المتعارف عليها والتي سميت (GAPP) Generally Accepted Principles and Practices

• تفاصيل مبادئ سانتياغو: تتوزع على ثلاثة محاور وهي كالاتي:

الأول: ويضم الاهداف والإطار القانوني والسياسات الاقتصادية الكمية، يعد هذا المحور ركيزة اساسية لإطار مؤسسي قوي وهيكل للحوكمة مستقر، كما تسير عملية صياغة استراتيجيات الاستثمار الملائمة التي تنسق مع اهداف سياسية معلنة.

الثاني: ويضم هيكل الحوكمة والإطار المؤسسي الذي يفصل بين وظائف الجهة المالكة والجهاز الحاكم وفريق الادارة مما يؤدي الى الاستقلالية في ادارة صندوق الثروة السيادي بما يكفل اتخاذ قرارات الاستثمار وبدون تدخل سياسي، وتعمل سياسة الاستثمار على اظهار التزام الصندوق بخطة استثمار وممارسات استثمارية منضبطة.

الثالث: ويضم ادارة المخاطر وإطار الاستثمار وهو محور يضم مبادئ تهدف الى تشجيع سلامة العملية الاستثمارية لصناديق الثروة السيادية.

• الاثار السلبية لصناديق الثروة السيادية على الدول المالكة:

1. فرص التوظيف الضائعة: التي يمكن خلقها لأجل الشباب من مواطني الدول المالكة لهذه الصناديق بدلا من استثمارها في الخارج فتوفر فرص عمل للأجانب (الدول المضيفة لتلك الاستثمارات).

2. الناتج المحلي الضائع: أي الفرص الضائعة في صورة الناتج المحلي الضائع خاصة الناتج البترولي والذي يمكن توليده لو تم استثمار هذه الصناديق محليا في اصول انتاجية حقيقية.


3. مخاطر فرصة استثمار الاصول الحقيقية لصالح اصول مالية: أي مخاطر تدني العوائد المحققة جراء هذه الاستثمارات التي تقتصر على نسبة محددة من الفائدة، فهناك فرق بين استثمار تلك الاموال في اصول مالية عنها في اصول حقيقية.

• بعض الحقائق عن الصناديق السيادية العالمية:

1. أكبر صندوق سيادي على مستوى العالم هو (صندوق التقاعد الحكومي) في النرويج، حجم أصوله بحدود (825) مليار دولار، تم انشاءه عام 1990 لدعم الاقتصاد النرويجي ما بعد فترة النفط، استثمارات الصندوق (50%) في الولايات المتحدة و (50%) في اوروبا، الاصول التي يستثمر فيها الصندوق موزعة كالاتي/ 60% في الاسهم، 35% على الدين الثابت، 5% على العقار. ولدى صندوق التقاعد الحكومي النرويجي حصص في شركات أبل ومايكروسوفت وغوغل.

2. ثاني أكبر صندوق سيادي على مستوى العالم هو (جهاز أبو ظبي للاستثمار) حجم اصوله (773) مليار دولار، استثمارات الصندوق (35%-50%) في الولايات المتحدة والمتبقي في اوروبا ثم الاسواق الناشئة.

3. ثالث أكبر صندوق سيادي هو (مؤسسة الصين للاستثمار) بحجم اصول (747) مليار دولار، (5%) منها في الولايات المتحدة والبقية في الاسواق المتقدمة.

4. رابع أكبر صندوق سيادي هو (هيئة الاستثمارات الكويتية) بحجم اصول (592) مليار دولار، وهذه الهيئة تضم صندوقين وهما صندوق الاحتياطي العام وصندوق الاجيال القادمة.

5. تعتزم السعودية وفق رؤية 2030 الى تأسيس صندوق سيادي بحجم اصول (2) ترليون دولار، نصفه مخصص للاستثمارات المحلية والنصف الآخر للاستثمارات الخارجية.

• الاسباب الموجبة لتأسيس صندوق سيادي عراقي:

إن الاقتصاد العراقي اليوم بأمس الحاجة الى صندوق سيادي للتنمية بغرض تشجيع تمويل المشاريع الاقتصادية والاجتماعية وتقوية السياسات الصناعية لزيادة الإنتاج الحقيقي داخل الاقتصاد العراقي، وسيجلب هذا النوع من الصناديق مجموعة من الاثار الايجابية للاقتصاد العراقي من أهمها، تخفيض معدلات البطالة وتنمية القطاعات الانتاجية، وبخاصة في المجالين الصناعي والزراعي، وتحسين الخدمات.

1 -الأسباب الداخلية:

أ- النفط مورد ناضب ولايمكن الاعتماد عليه سواء كان بعيد الأمد او قريب الأمد من حيث النضوب.

ب- النفط يعد من الأصول المالية بعد ان يتم تحويله من اصول عينية.

ج- تقليل الاعتماد على النفط يجعل العراق يتهيأ الى فترة ما بعد النفط كما تفعل السعودية في خطتها الاستراتيجية 2030 وهو الاعتماد على 30% من عوائد الصناديق للموازنة بدون نفط.

2 - الأسباب الخارجية:

أ- اسعار النفط غير المستقرة عالميا: عدم استقرار اسعار النفط عالميا وتذبذبها بشكل عشوائي ونتيجة لمجموعة من العوامل السياسية والاقتصادية ومن الطبيعي على العراق ان يقوم بالاعتماد على صندوق يتأتى من الفوائض النفطية في حال وجودها.

ب- سحب الفوائض: يقوم هذا الصندوق بسحب فائض الأموال المتأتية من تصدير النفط للتغلب على اسعار النفط العالمية المتذبذبة كما يمكن الاستفادة من الصدمات النفط السلبية وعملية حدوث اي انهيار قد يحدث بأسعار النفط العالمية.

• أسس الانطلاق لتأسيس صندوق سيادي عراقي:

أ- النظام التشريعي والقانوني: يعد هذا العنصر الأساسي لإنشاء صندوق ثروة سيادي للعراق من خلال تشريع البرلمان العراقي له ويعد هذا العنصر هو العنصر الأول من حيث الاهمية وبدون هذا التشريع لاوجود لمشروع مقترح اصلا.

ب- تمويل الصندوق: تقوم وزارة المالية العراقية بتمويل هذا الصندوق في بداية الأمر وهي مسؤولة عن هذا الصندوق لبضع سنوات.

ت- ادارة الصندوق: البنك المركزي العراقي يدير ادارة مباشرة للصندوق ويوفر كادر متمرس اداريا ومتخصص في مجال الاستثمار (المباشر والمحفظي) بصورة خاصة يمكن الاستفادة من الخبرات المتواجدة في المؤسسات المالية الأجنبية ولذلك لقلة الخبراء في هذا المجال باعتبار ان سوق الاوراق المالية العراقي سوق ضيق وانعدام المؤسسة المالية الخاصة كصناديق تأمين وصناديق استثمار.

وتشير تأكيدات المنظمات المالية الدولية (مثل صندوق النقد الدولي) الى إمكانية العراق في إنشاء مثل هذا الصندوق، ونعتقد أن خلق مثل هكذا صندوق يعبر عن ادراك الجيل الحالي واعترافه بحق الاجيال القادمة في التوزيع المتساوي لمكتسبات الثروة المتأتية من المورد النفطي الذي هو ملك لجميع العراقيين وينبغي تحقيق العدالة في توزيعه بين الجيل الحالي والاجيال القادمة.

* الأستاذ الدكتور جواد كاظم البكري، جامعة بابل – كلية الادارة والاقتصاد