«اغتيال المشذوب».. حاكموا المحرّضين
الأثنين / 11 / شباط - 2019
421

أحمد الحناكي

لن تكون جريمة اغتيال الكاتب العراقي علاء مشذوب بسبب مواقفه من التطرف الديني هي الأولى من نوعها في البلاد العربية ولن تكون الأخيرة، وبحسب المعلومات التي أصدرها الأمن العراقي فقد تم اغتياله بعد أن كتب مقالات ضد ما سمّاه بـ «طمس للهوية العراقية»، متذمراً وشاجباً تطرفاً داعشياً أو هيمنة إيرانية، ومقاله الأخير انتقد فيه الخميني متطرقاً للسنوات الـ13 التي عاشها في العراق.

هناك خطوط حمر لدى المسلمين العرب أو حتى غير العرب حول انتقاد الرموز الدينية أو جوهر الدين، غير أن كثيراً من هؤلاء ينجرفون تحت توجيهات قادة الرأي الذين يبثون رسائل مؤثرة للمتلقين الذين لا يناقشون الرسائل بل ينفذونها من دون تردد.

عندما اغتيل الكاتب المصري الكبير فرج فودة -رحمه الله- سأل المحقق القاتل عبدالشافي رمضان: لماذا قتلت فرج فودة؟ أجاب: بسبب فتوى الدكتور عمر عبدالرحمن مفتي الجماعة الإسلامية بقتل المرتد عام 1986، ولما سأله ومن أي كتبه عرف أنه مرتد؟ رد بأنه لا يعرف القراءة ولا الكتابة، وعن سبب اختياره موعد الاغتيال قبيل عيد الأضحى؟ أجاب: لنحرق قلب أهله عليه أكثر. تصوروا أن يقدم شخص ما على ارتكاب جريمة بشعة ويمحو إنسانا من الوجود ويحرمه من الحياة ويحرم عائلته منه وييتّم أطفاله ويرمّل زوجته فقط لأنه سمع شيخاً قال: إن «فرج فودة قد كفر».

لم يستطع المتشددون -وهم كثر- مجابهة فرج فوده الذي كان يتسلح بالأرقام والحقائق، وكتابه «الحقيقة الغائبة» - الصغير حجماً- أحدث زلزالاً كبيراً بعد نشره، وبتصوري أن قرار تصفيته صدر من المتطرفين بعد ذلك الكتاب، وإن قيل لاحقاً إنه بعد مناظرة له هو وفؤاد زكريا أمام محمد عمارة ومحمد العوا.

وفي إبان تولي الرئيس محمد مرسي وفي خضم التوترات وحوادث العنف ثم ثورة الشارع المصري، لم يلقِ أحد بالاً لقرار من الرئيس بالعفو عن أحد المشاركين بعملية اغتيال فودة ممن حكم عليه بـ «الأشغال المؤبدة» وهو محمد أبوالعلا، وبعدها تسلل إلى السودان ثم سورية وقتل هناك بعد انضمامه لإحدى الفصائل المتطرفة، على أن أبوالعلا لم يكن الوحيد الذي شمله قرار العفو غير المستحق دستورياً، بل إنه ضمن 523 معظمهم من الجماعات الإسلامية والتكفيرية، ومتورطون بقضايا سلاح وإرهاب ومخدرات، وهو أول قرارات الرئيس مرسي فور توليه.

أيضاً الشاب الذي طعن الأديب الكبير نجيب محفوظ - رحمه الله - بدعوى أنه مرتد ومن ثم يستحق القتل، لم يقرأ حرفاً واحداً من روايات محفوظ، ولعل من الأواخر الكاتب الأردني ناهض حتر الذي تم اغتياله في الـ25 من أيلول (سبتمبر) 2016 برصاص مسلحين، بدعوى أنه نشر رسماً كاريكاتورياً ينتقد فيه المتطرفين.

قضية التكفير إحدى القضايا الخطرة التي يقع بها كثيرون ممن يسمون أنفسهم علماء أو ممن يسميهم الناس علماء، على أن العالم الحقيقي لا يصدر منه تكفير إلا لقضية محددة بعد أن تسلك مجراها الطبيعي في المحاكم والقضاء.

ظاهرة التكفير لا توجد بالمملكة، على رغم أن العلماء المسلمين خارج المملكة يعتبرون علماء السعودية من الحنابلة المتشددين، وذلك كونهم يتقيدون بسيد البشر محمد عليه الصلاة والسلام، وقد اشتهرت حادثة أسامة بن زيد رضي الله عنه إذ قال: «بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أناس من جهينة يقال لهم الحرقات، قال: فأتيت على رجل منهم فذهبت أطعنه فقال: لا إله إلا الله فطعنته فقتلته، فجئت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته بذلك فقال: قتلته وقد شهد أن لا إله إلا الله؟ قلت يا رسول الله إنما فعل ذلك تعوذاً، قال: فهلا شققت عن قلبه».