الثلاثاء / 26 / آذار / 2019

«حزب جديد».. أقوى من كل الأحزاب
الخميس / 13 / كانون الأول - 2018
921

طالب سعدون

فتحت الاحتجاجات في فرنسا التي قام بها أصحاب (السترات الصفر) نافذة واسعة تطل منها على حقائق بعضها جديد، وبعضها الاخر كان (غائبا)، أو لم يكن واضحا بهذا الشكل لدى الاخر، ولا سيما العالم العربي الذي لا يزال حكامه يتصورون أنهم يعيشون في قرية نائية معزولة داخل جزيرة في محيط يصعب الوصول اليها، وأحكمت الحصار حول نفسها، لكنها لم تعرف انها اليوم كالنعامة التي دفنت رأسها في التراب وجسمها ظاهر للعيان … هكذا حال من يتصور أن حركة العالم لن تصل اليه، أو لن يكون لها صدى في داره..

العولمة الجديدة اقتحمت الاسوار وحطمت جدران الجغرافية العازلة، وبروتوكولات السيادة المانعة.. وأصبحت وسائل التواصل الاجتماعي، ووسائل التقدم التكنلوجي بضمنها التلفون، والانترنيت، وشبكات التلفزيون الفضائية واحدة من أليات العولمة التي حققت الترابط بين الشعوب، وجعلت الاتصال بينها في الدقائق واللحظات، والتأثير متبادلا بينها، إلا أن هذه العولمة وإن كانت لها من الايجابيات الكثير، لكنها لا تعترف بالمساواة المطلقة بين الشعوب فتكون الغلبة فيها الى الأقوى، ومن يمتلك وسائل التأثير في الأخر وتلك أحد سلبياتها.. وبالتأكيد يكون أصحاب المال والقوة والسطوة ووسائل الدعاية هم أكثر تأثيرا في الاخر.. وهذا ما يجعل الضعيف متأثرا، وليس مؤثرا.. و (منفعلا وليس فاعلا) وتكون نقاط ضعفه قوة للأخر، ومن بين ذلك سياسته الداخلية ومستوى المعيشة، والاقتصاد، والسياسة العامة، والخدمات وحقوق المواطن تكون واضحة وعرضة للمقارنة..

وينطبق هذا الامر حتى على الدول الكبرى، فهناك نقاط تفاوت بينها، وكل واحدة تستغل ظروف الاخرى، فيستغل الاقوى عامل الضعف ليسلط عليه عامل القوة لديه لكي يحقق هدفه.. وفي بعض الامور العاجلة لا يحتاج رئيس الدولة اليوم الى وزارته الخارجية أو سفارته في الدول الاخرى لنقل رسالة عاجلة وتهديد لا يحتمل الوقت، أو توضيح رأيه في مسألة محلية أو دولية..فتغريدة واحدة على تويتر كافية لأن توصل الرسالة على الفور ويتناقلها العالم.

والعولمة الجديدة بهذه الوسائل من التواصل أفادت الشعوب أيضا، وجعلت العامة من الناس هم (النخبة )، والأكثر تأثيرا في صنع القرارات، حتى من المؤسسات الدستورية في كثير من الحالات، وأنها قادرة على تغيير سلوك الحكومات في تعاملها مع الشعوب، وتدفعها الى أن تستجيب لمطالبها، وتغيير القوانين التي تضرها، والاجراءات التي لا تنسجم مع مصالحها

والمعترضون والمتضررون من أي اجراء اقتصادي، أو ضغط سياسي في دولة ما، لم يعودوا اليوم بحاجة الى حزب يتولى جمعهم وتنظيمهم، ويكون في المقدمة، أو قيادة تدير شؤونهم لكي تستغلهم فيما بعد، أو تنحرف عن الاهداف لاحقا في حالة ما إذا أصيبت (بداء السلطة) واستلطف امتيازاتها، وخضعت الى مغرياتها، وتكون في هذه الحالة قد تنصلت عن وعودها..

فوسائل التواصل الاجتماعي ومنها (الفيس بوك) أصبحت اليوم أكبر من أي حزب، ويتولى هذه المهمة دون أن يربط بينهم جميعا رابط حزبي او عقائدي عدا رابط المصلحة والتأثر بالعامل الضاغط عليهم والذي يكون مصدر احتجاج مشترك، وعن طريق هذا الحزب الجديد يمكن أن يكسبوا الرأي العام الداخلي، ويحصلوا على الدعم والتضامن لقضيتهم العادلة على نطاق عالمي بصورة سهلة ومتيسرة..

ولك أن تتصور قوة هذا (الحزب الجديد) أنه ليس باستطاعة أي حزب تقليدي، أو مجموعة أحزاب وتحالفات وتكتلات على المستوى المحلي والعالمي أن تحصل من الاعضاء والمؤيدين والقواعد ولو على جزء يسير جدا جدا من عدد المشتركين في الفيس بوك على سبيل المثال الذي يضم لوحده اكثر من 750 مليون مشترك.

ورأينا هذه العولمة الجديدة كيف استطاعت أن تجمع العالم في شارع، وليس في قرية كبيرة.. وكيف انتقل العالم باسره الى شارع الشانزلزيه، أو قوس النصر في باريس مباشرة وعلى الهواء، حيث كانت وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة والفضائيات تنقل مشاهد حيه للاحتجاجات، ولا يتطلب ذلك من أي متلقي في أقصى العالم أكثر من الضغط على الريموت كونترول لينتقل من دولة الى اخرى، ومن قضية الى غيرها..

لقد بدا تأثير هذا الحزب الجديد (وسائل التواصل الاجتماعي) واضحا في احتجاجات أصحاب (السترات الصفر) حيث كان الفيس بوك وسيلة اتصال مهمة للتجمعات وإقامة الاحتجاجات في المكان والزمان المحددين، ولذلك لم تكن لهم قيادة واضحة، كما هي حال احتجاجات الاحزاب ومنظمات المجتمع المدني مثلا، كما أكسبتهم وسائل التواصل الاجتماعي انصارا ومؤيدين من مختلف الاتجاهات داخل فرنسا وخارجها.. كما ساعدت في انتقال تأثيرها الى خارج حدودها الى دول أخرى.

ومن هنا.. يجب أن يعترف السياسيون من كل الاتجاهات، في كل العالم أن وسائل التواصل الاجتماعي هي اليوم أقوى من كل أحزابهم، ولها القدرة على أن تكشف اخطاءهم، وإن الناس العاديين الذين لم يحسبوا لهم حسابا في السابق، مثلما يحسبون لفرقائهم السياسيين هم أكثر تأثيرا اليوم منهم من خلال هذه الوسائل، وليس هناك ضمانة لبقائهم في تصدرالمشهد السياسي والرسمي إن لم يستجيبوا لمطالب شعوبهم واحتجاجات العامة وانتقاداتهم، ويحققوا الشعارات والبرامج التي وعدوا بتحقيقها، حتى وإن جاءوا بالطرق الديمقراطية..

فهل شفعت الديمقراطية لمكرون مثلا  فوقفت بجانبه الاصوات التي منحته ثقتها عندما رفع فاتورة الوقود بنسبة بسيطة، ربما لم تكن بذلك التأثير الكبير، أم كانت القشة التي قصمت ظهر البعير، وفتحت الباب أمام مطالب كثيرة تضغط على المواطن مثل زيادة الرواتب وحال الضرائب ووضع المتقاعدين والخدمات والكثير من المسائل الاقتصادية، التي يجب أن تنفذ..؟

لم يكن أمام الرئيس ماكرون غير الاستجابة لتلك المطالب والاعتراف بمسؤوليته في إثارة مشاعر الغضب لدى المحتجين، وقدم إعتذاره للشعب الفرنسي بقوله (انني جرحت البعض من خلال تصريحاتي وأؤمن بقوة انه يمكننا إيجاد حل)..وبالفعل قام باتخاذ حزمة من الاجراءات المادية والاجتماعية لمساعدة ذوي الدخول المحدودة، وأعلن في خطاب وجهه الى الشعب الفرنسي أن العام المقبل سيشهد زيادة في الحد الادنى للأجور قدره 100 يورو، إضافة الى إتخاذ تدابير عاجلة لمساعدة من يتقاضون أقل من ألفي يورو، كما وعد باجراء إصلاحات عميقة للنظام الضريبي وغيرها من الاجراءات..

 تلك ملاحظات اثارتها في ذهن الكثير من المراقبين والمحللين والكتاب احتجاجات اصحاب (السترات الصفر)، لم يسعها عمود صحفي، قد تكون لنا فرصة أخرى لملاحظات اخرى إن شاء الله..

ملاحظات في الديمقراطية، وفي موضوعة حقوق الشعب وواجب من يفوز في الانتخابات، ومن يتصدر موقع المسؤولية في أن يحقق للشعب حياة هانئة كريمة ويستجيب لمطالبه العادلة وذلك هو مبرر منحه الثقة..

المشروعية الديمقراطية التي تجيء بالحاكم الى هذا المكان تنتهي ما أن يبدأ بهذه المسؤولية ويباشر بعمله لتبدا مشروعية أخرى وهي مشروعية حقوق الشعب، وتحسين وضعه الاقتصادي والاجتماعي وفي كل المجالات، وأن يعمل على زيادة الثروة من خلال الانتاج.. في الزراعة والصناعة والاستثمار الامثل للثروة في تطور البلاد ونهوضها.. وتلك هي قيمة الصوت وثمنه

والشعب الذي جاء به الى السلطة هو نفسه أيضا قادر على أن يعزله، دون أن ينتظر الى أن تنتهي مدة ولايته، كأن تكون أربع سنوات أو اكثر، لأنه ظهر من خلال العمل أنه لم يكن جديرا بمنحه هذه الثقة، وليس له القدرة على ان يحقق أماله وتطلعاته ويفي بوعوده..

هذه هي الديمقراطية الحقة..

وتلك هي الشعوب الحية الحرة التي تعرف حقوقها، وكيف تحصل عليها..

كلام مفيد

قال لقمان الحكيم :

(إن من الكلام ما هو أشد من الحـــجر، وأنفذ من وخز الأبـــر، وأمر من الصـــبر، وأحز من الجـــمر، وإن من القلوب مزارع، فازرع فيـــها الكـــلمة الطيـــبة، فإن لم تنبـــت كلــها، ينبـــت بعـــضها..)