الجمعة / 16 / تشرين الثاني / 2018

الصين والقطبية الأحادية
السبت / 07 / تموز - 2018
192
د. سعدي الابراهيم
مثلما ان للعائلة أباً، يشرف على سير الامور فيها، ومثلما ان لكل مجتمع قادة او نخبة يقودانه ويوجهانه نحو الافضل او في الاقل الاسلم، فأن للعالم ايضا رأسا يقوده ويوجهه حسب تقديره ورؤيته الخاصة للأمور ويسمى بـــ (القطبية).
الا ان قيادة العالم هي ليست بهذه البساطة، بل ان الفرق ما بينها وما بين القيادة اعلاه هي شاسعة جدا، فاذا كانت قيادة العائلة تقتضي ان يضحي الاب في سبيل توفير احتياجات عائلته، فأن قيادة العالم لا تقتضي ذلك، بل على العكس فأن الدولة القائدة غالبا ما تعمل على توفير احتياجات شعبها اولا، بغض النظر عن مصالح الدول الاخرى وحاجات شعوبها . وقد مرت القطبية (القيادة العالمية) بعدة مراحل، فبعد ان كانت جماعية او متعددة في الفترة التي سبقت الحرب العالمية الثانية، فأنها اختزلت بعد تلك الحرب الى الثنائية القطبية، عندما صار العالم محط صراع وتنافس ما بين الولايات المتحدة، والاتحاد السوفيتي السابق، وهي الفترة التي سميت بـــ (الحرب الباردة) . وفي مرحلة لاحقة انهار الاتحاد السوفيتي وبقيت الولايات المتحدة وحدها في الساحة العالمية، لتكون هي القطب الاوحد.
الا ان تمتع الولايات المتحدة بالزعامة العالمية لا يمكن ان يبقى الى الابد ولابد من ان تتغير المعطيات ولابد ان تظهر قوة عالمية جديدة تعيد صياغة الامور، وحتما ان الصياغة الجديدة ستكون على حساب امريكا، ومن الدول التي يشار اليها بالبنان، والتي تمتلك مقومات تزعم العالم وقيادته هو الصين، تلك الدولة المترامية الاطراف والتي تمتلك اكبر عدد من السكان، واقتصادا ضخما يختلف عن كل اقتصادات العالم، فالصين قبل كل شيء دولة نووية، وهي قادرة على ان تدخل كل اسواق الارض، فهي تنتج البضائع الكبيرة والصغيرة، المرتفعة الثمن والرخيصة، حتى قيل بأن الصين مثل المائدة التي تقدم اطعمة لا يحرم منها احد، الاغنياء يأكلون والفقراء يأكلون ايضا.
وفوق كل ذلك، للصين ثقافة خاصة ليس هناك ما يشابهها ايضا، هذه الثقافة متجذرة في الذات الصينية، وهي مستوحاة من العقائد الدينية والشعبية الموغلة القديمة، لتجعل من هذه الدولة وحدة واحدة متماسكة، يصعب على الاعداء اختراقها او زعزعة استقرارها.
لكن مع ذلك، تبقى هناك بعض المعوقات التي قد تؤجل او حتى تمنع ان تكون الصين قطبية احادية او حتى من ضمن الاقطاب الثنائية او المتعددة القادمة، ومن بين تلك المعوقات، ان اللغة والثقافة الصينية هي خاصة ويصعب على العالم تقبلها، يضاف الى ذلك ان قيادة العالم تحتاج الى ارادة وقرار سياسي، وربما حتى شعبي، وهذا ما لا نجده في حالة الصين، والامر المهم الاخر هو ان الولايات المتحدة ودول اخرى تعمل قصارى جهدها على الوقوف بوجه اي طموح عالمي للصين في المستقبل.