الجمعة / 16 / تشرين الثاني / 2018

أثرياء بلا قلوب ..!
السبت / 30 / حزيران - 2018
135
حسين الصدر

- 1 -
لا يستطيع أحدٌ أنْ ينكر حقيقةً تقول: الأثرياء اليوم كثيرون ..
ولكن السؤال المهم: كم من أولئك الأثرياء يملك قلباً ،رقيقاً وحساً رهيفاً، وقدرةً على تجاوز الذات الى حدودٍ أبعد منها ؟
وهنا لابد أن يأتي الجواب: انهم قليلون ، وهذه هي الطامّة الكبرى ..!!
- 2 -
اذا كان الرسول الاعظم (ص) في ما روي عنه يقول :
(ما آمن بي مَنْ باتَ شبعانَ وجارُه جائع) فهؤلاء لا يحسون بجوع الفقراء ، وبؤس المستضعفين ، وفاقة المحتاجين ، وصعوبة الأعباء التي يواجهها النازحون من ديارهم ، والقابعون في المخيمات ،حيث الحاجة الى الغذاء والدواء والغطاء ، والى المال، يشترون به حاجاتهم الضرورية ولا يملكون منه شيئاً ..
انه ليس محكّا للانسانية فقط بل انه محكٌّ للايمان أيضاً 
- 3 -
وكيف يتوقع هؤلاء القساة الغلاظ أنْ يكونوا مشمولين بسحائب الرحمة الألهية وهم لم يرحموا أحداً من عباده ؟!
الحديث الشريف يقول :
" أرحْم تُرحمْ
أرحم مَنْ في الارض يرحَمْك مَنْ في السماء "
- 4 -
وليس صحيحاً ان يشطب على كل اولئك الأثرياء ويقال انهم: أنانيون، نرجسيون، سقطوا في أوحال النرجسية، لأنّ هناك بينهم من يخشى أنْ تسلب منه النعمة اذا غابت عنه الرحمة ..
ومن هنا فإنهم، يكفلون اليتامى ، ويتبرعون – بنحو منتظم – إلى المؤسسات والجمعيات الخيرية المعنيّة بشؤون المستضعفين .
وهؤلاء هم الفائزون، حيث امتلكوا مفاتيح الحسنات بمبادراتهم الإيجابية، ومشاركاتهم الانسانية في مضامير الإحسان والبر الاجتماعي.
فتحيةً لكلّ أولئك الطيبيّن ممن لا تغمض لهم عين ، وعيون البائسين يؤرقها الحرمان ...
بارك الله بهم ، ولهم ، وفيهم ، وكثّر أمثالهم .
- 5 -
ولقد أوردت بعض كتب الأدب والتاريخ أخباراً كثيرة عن (عبد الله بن جعفر بن أبي طالب)، نقف عند واحد منها ، لما يتضمنه من دلالات فريدة ، ومعانٍ حميدة :
قيل : " ان عبد الله بن جعفر بن ابي طالب (رض) المعروف بالكرم والسخاء ، والملقب ببحر الجود ، خرج الى ضيعةٍ له ، فنزل على نخيل قوم فوجد عندها غلاما أسود اللون يقوم بحراستها ، ورآى بيده ثلاثة أقراص من الخبز ، فدنا منه كلبٌ فرمى إليه قرصاً فأكله،
ثم رمى إليه الثاني والثالث فأكلهما، 
فقال عبد الله : يا غلام كم قوتُك كل يوم ؟
قال: ما رأيتَ 
قال: فلم آثرتَ الكلب على نفسك ؟
قال: لانّ أرضنا ليست بأرض كلاب،
وأخاله قد جاء من مسافة بعيدة جائعاً فكرهت ردّه، 
قال: فما كنتَ صانعاً اليوم ؟
قال : أطوي يومي هذا 
قال عبد الله: واللهِ انّ هذا لأسخى مني، ثم اشترى النخل والعبد وأعتقه ووهب له البخل كلّه "
(طرائف الحكم ونوادر الآثار ج3 ص373)
أرايتَ كيف كان الرفق بالحيوان سبباً لنقل (الغلام) من خندق العبودية الى فضاء الحريّة ؟
ومِنْ ضِيق الحال الى سعة الحال ؟
واذا كانت هذه هي عاقبة الرحمة بالحيوان في الدنيا، فكيف تكون عواقب الرحمة بالانسان في الآخرة ؟
نعم إن العطاء والإيثار هما من أعظم الصفات، وبهما يفوز أهل المروءات والإنسانية في الدنيا والآخرة، فالعبرة بهما لا بكثرة الأموال ..!!